بعض إعلامنا جيد، أما أغلب إعلامنا فليس جيداً على الإطلاق حتى لا نقول سيئ فنتهم بالتجني، وإعلامنا ليس بدعاً من إعلام العالم العربي، إنه جزء من الصورة العربية لأنه مصنوع على طريقة من كل بستان زهرة.
وبالرغم من أن كل شيء في عالم الأعمال والتجارة والاقتصاد والمعارض والعقارات، يسير بوتيرة تصاعدية ويحقق إنجازات واضحة، إلا أن الإعلام لا يسير للأمام أبداً، فإن لم يكن يراوح مكانه، فإنه يسير بطريقة خطوة للأمام وعشر خطوات للخلف، برغم كل الأموال التي تنفق عليه، وكل الدعم الرسمي وغير الرسمي الذي يتلقاه.
هناك علة ما في هذا الإعلام على اختلاف وسائله، والعلة هذه إما أنها عصية على الاكتشاف، وإما أنها مكتشفة لكنها عصية على العلاج، ومع ذلك فكثيرون يعرفونها لكن لا علاج يبدو في الأفق، وهنا فالعلاج ليس حلولاً ترقيعية أو سريعة، العلاج هنا يحتاج خطة واضحة، وسياسة إعلامية واضحة، وتحديد هوية إعلامية واحدة وموحدة، ومن ثم تأتي وسائل تحقيق الاستراتيجية!
في الإعلام يتساوى وزن النتائج، فالنجاح مهم وخطير مثل الفشل وإن تعارضت الاتجاهات، الحرفية كما العشوائية كلاهما خطير، الإنسان في مكانه المناسب مثل الإنسان في غير مكانه في الإعلام، محاربة الكوادر الوطنية المخلصة والمؤهلة مثل استقطاب الأشخاص وفق معايير المصالح والعلاقات الخاصة جداً، لا شيء يعبر حساسية الإعلام.
هكذا بلا نتيجة وثمن فادح، وللأسف فنحن اليوم ندفع ثمناً فادحاً لإعلام لا يسير في قنواته المختلفة وفي الأعم منه وفق استراتيجية محددة وبعيدة المدى، وموحدة من حيث السياسات والأهداف والتأكيد على الهوية، هناك إعلامات وليس إعلاماً إماراتياً واحداً، وهناك رؤى متباينة وليس رؤية موحدة، وهناك أهداف وليس هدفاً، وهناك مستويات وليس مستوى واحداً!
إن التنوع مطلوب، والاجتهاد للوصول للأحسن والأفضل مطلوب والتنافس مشروع بين أجهزة ووسائل الإعلام حتى في البلد الواحد، لكن من غير المطلوب أو المسموح أن تكون لنا هويات مختلفة، ومستويات متباينة جداً، وأهداف متعارضة جداً، إن أي تعارض فيما ذكرناه ينعكس بشكل مدمر على صفحة الإعلام.
وكما في الصحة والتعليم فإن في الإعلام لا شيء يحدث بالصدفة ولا شيء يمر بلا نتائج على الجميع، على الفرد وعلى المجتمع الذي مازال يطالب الإعلام بالكثير وينتظر من الإعلام أدواراً مختلفة غير هذه التي تظهر كل يوم، فالإعلام يمكنه أن يحقق الربح ويمكنه أن يحقق التسلية والمتعة.
ويمكنه أن يطل على كل الثقافات ويتوجه إلى كل العالم، لكنه في النهاية رسالة مجتمع وأمة، تحمل مضامين غاية في الوضوح ورسائل يجب أن تكون دقيقة ولا لعب فيها، أو عليها، وعليه فالمجتمع لا يمكنه أن يتقبل الإعلام كشركة أو كنادي فكاهة، أو كمرقص أو كمكان ممكن لكل من لا عمل له أن يعمل فيه.
في الاستراتيجية والسياسة والهدف الواضح للإعلام نحتاج أن يتم التأكيد على الإعلام كرسالة لا كتجارة، الإعلام كموقف لا كدعاية، الإعلام كتثقيف لا كتهريج، الإعلام كوجه للإمارات يستوعب أولاً وعاشراً أبناء الإمارات، لا أبناء الدنيا كلهم إلا الإماراتيين، إعلام يشبهنا ونشبهه، وليس إعلاماً يشبه كل شيء إلا أبناءه، ويحقق كل شيء إلا تطلعات أهله، هنا يصبح الإعلام غريباً جداً وفي الحقيقة فنحن لا ينقصنا المزيد من الاغتراب.
