عندما انهار الاتحاد السوفياتي، وتوزعت تركته على العالم برزت مشكلة هددت الأمن الدولي، عندما انتشرت مافيا بيع (اليورانيوم) وأسرارأسلحة الدمار الشامل حتى إن الخشية وصلت إلى حد أن هذه الإمكانات ربما لو وقعت في أيدي متطرفين أو مافيا الجريمة المنظمة لربما خلقت إشكالاً لا يمكن حسمه بسهولة.
باكستان لم تصل إلى حد التفتت، وهي الدولة النووية التي تمر بحالة خلخلة والمحاطة من الخارج بقوى القاعدة، وأنصارها في الداخل، وكذلك الخلاف بين الرئيس والسيدة بناظير بما يشبه محاولة كسر العظم، وخطورة الموقف أن أمن باكستان يعد ضرورة عالمية، ولذلك جاء الاهتمام بأوضاعها مخافة أن ينزلق الوضع إلى سقوط الدولة ونشوء ما يشبه الحرب الأهلية، لأن الاعتماد على الجيش، وهو مكوّن اجتماعي لكل أطياف الشعب المنقسم على نفسه بين عدة تيارات، لا يعد أمراً يمكنه ضبط حالة الاضطرابات لو انفجر على نفسه.
الحلول ممكنة، لكن لا يمكن تبسيطها بسهولة، ومع أن باكستان تملك قدرات بشرية وإمكانات قد تضعها على مسار الدول المتقدمة، إلا ان مشكلتها في كثرة الانقلابات وتعدد الولاءات، وهي عقدة معظم دول العالم الثالث، وخاصة المسلمين الذين عجزوا عن بلورة نظام يكون مسوّغاً لأن يضع الدرجات الاولى في سلم الصعود، والانتماء إلى العصر، وكما قلنا في العديد من المناسبات، إن الهند نجحت في ديمقراطيتها رغم تعدد بيئتها الاجتماعية وتلوّن أديانها وقومياتها، وكان هذا الاستقرار سبباً في وضعها على لائحة القوى القادمة العظمى، مع الصين وأوروبا وأميركا، في حين باكستان وقفت عند نقطة السكون وأحياناً التردي.
الرئيس مشرف يملك فرص النهوض في بلده، لكنه يحتاج إلى توحيد جبهته الداخلية والحوار حتى مع خصومه، وقد تكون رؤيته مقبولة في إعلان حالة الطوارئ وسط الفوضى التي وصلت إلى استهداف أمن الوطن، غير أن الاستمرار بالقبضة الحديدية، دون مراعاة لمطالب الأغلبية بتحقيق الديمقراطية التي يجب أن ترتفع إلى مستوى جارتها الهند، يوضع ضمن المطالب الضاغطة من كل دول العالم، وخاصة أميركا وأوروبا، وحتى حكومة الهند التي تراقب الأوضاع بقلق، تريد أن تنفرج الأزمة وعدم تصعيدها، لأن مخاوفها من انجراف دولة نووية مجاورة إلى المنطقة الحمراء، تعني إعلان واقع خطير، وخطير جداً.
العالم الإسلامي والذي طالما رأى في قوة باكستان العسكرية ضمانة لأمنه وتعزيزاً للدور الإسلامي، يخشى أن تتجه الأمور إلى مسار خطير، وهذا الإشكال سوف يدفع الدول العالمية إلى تصعيد مخاوفها من التسلح الإيراني لذات الأسباب، وهي أعذار قد تصل إلى إعادة النظر حول كل الدول التي تسعى لامتلاك التقنيات النووية التي ربما تدفعها إلى مغريات إنتاج الأسلحة المدمرة.
المسار الراهن الباكستاني، قد يفرض إيقاعه على صياغة نظام جديد يخلق فرص تطبيق الديمقراطية على مراحل، وبإشراك كل تنوعات المجتمع القومية والقبلية، لأن تجارب السنوات الماضية أهدرت العديد من الفرص، وجعلت الفوضى تسود وتؤدي إلى إعاقة التنمية، وتنامي الفقر، والتطرف، حتى إن أعباء افغانستان لا تزال تقلقها، وربما تفجرها، وهي التي تفرض أن يدرك المسؤولون قيمة الحلول التي تغلق أبواب الوحدة الوطنية.
