يبدو أن رياح التاريخ لا تجري كما تشتهي سفن أشخاص وأنظمة حاولوا دون طائل زرع الأوهام حول مسار التاريخ الإنساني وطبيعته الأساسية التي يحكمها حراك وصراع دائمين باتجاه الارتقاء نحو الأفضل مثل فرنسيس فوكوياما أو صموئيل هنتنغتون.

صحيح أن الأول قد تراجع بنفسه عن أطروحته حول نهاية التاريخ المشوهة للواقع الإنساني والفطرة السليمة القائلة ان للتاريخ نهاية يمثلها النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة وأن أطروحته الثانية القائمة على صراع الحضارات

وليس الحوار فيما بينها باتت في أحسن الأحوال مجرد طرفة يتندر بها الناس كلما أتوا على ذكر تيارات فكرية مارقة تحاول فرض نفسها بمنطق القوة وليس بقوة المنطق، لكن الإنسانية ستظل لحقبة ليست قصيرة من الزمن تدفع ثمناً باهظاً لمثل هكذا انحرافات فكرية متعمدة وضارة.

صحيح أن العالم احتفى أول من أمس بالذكرى الـ 18 لسقوط جدار برلين، الأمر الذي اعتبره كثيرون رمز هزيمة الشيوعية، على الرغم من أن انهيار الإتحاد السوفييتي تأخر ثلاث سنوات عن ذلك التاريخ، إلا أنه من الخطأ اعتبار أحداث من هذا القبيل،على ضخامة حجميها وتأثيراتها،

نقطة النهاية في صفحة العلاقات الدولية وميزان القوى الذي يحكم هذه العلاقات ويتحكم بها محدداً مسارها استناداً إلى مختلف مصالح الشعوب والأمم بعيداً عن استئثار هذا الطرف أو ذاك بحصة الأسد دائماً وأبداً على حساب بقية الأطراف.

جردة حسابية بسيطة لكل هذه السنوات التي مضت منذ سقوط الجدار الحديدي، الذي فصل بشكل عميق بين عالمين وأسلوبين للحياة، تدل بوضوح على أن جميع العناصر الطبيعية التي تحكم عادة العلاقات الدولية لا تزال قائمة كما هي عليه منذ فجر التاريخ، مؤكدة ما يتمتع به عقل الإنسان والعلاقات الاجتماعية من ديناميكية سرمدية دائمة الحركة والارتقاء لا مكان فيها للثبات والسكون والأحكام المطلقة أو المسبقة.

صحيح أن الكثير من الأطر والأشكال السياسية والاقتصادية والعسكرية التي سادت لما كان العالم منقسماً إلى تكتلين رئيسيين قد تغيرت أو تلاشت، لكن الحقيقة هي أن هذا التغيير لا يطال إلا الأشكال التي تعكس طبيعة المصالح الدولية في مرحلة تاريخية بعينها سرعان ما تتبدل مع تبدل طبيعة تلك المصالح، في حين تبقى ديناميكية الارتقاء ثابتة ومتعاظمة على الدوام منحية كل أوهام سيادة نمط اجتماعي بعينه جانباً.

بات في حكم المؤكد أن المرحلة التي تمر بها العلاقات الدولية منذ سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي وانفراط عقد الكتلة الاشتراكية ما هي إلا مرحلة انتقالية طارئة على الطبيعة الأساسية التي تحكم العلاقات بين الشعوب والأمم والمتمثلة بالتنوع والتعددية والتي لا مكان فيها للون الواحد على الإطلاق.

فلقد نشأت خلال السنوات الأخيرة تكتلات وتحالفات جديدة لا تقل أهمية عن مثيلاتها أيام ما يسمى الحرب الباردة، التي يخطئ من يعتبر أنها وضعت أوزارها إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، وهنا لابد ملاحظة أن أبرز هذه التحالفات إنما يجسده التحالف الذي قادته الولايات المتحدة تحت راية ما بات يعرف بالحرب ضد الإرهاب،

والذي انضوت تحت لوائه معظم بلدان العالم وأعطته إما طواعية أو مكرهة أولوية مطلقة، بما في ذلك روسيا الاتحادية، التي رضخت لهذا المنطق في العلاقات الدولية آخذة بعين الاعتبار تجربتها الخاصة في جمهورية الشيشان التي اعتبرتها جزءاً من الحرب الأميركية ضد ما يسمى الإرهاب أو هكذا بدا لها الأمر على أقل تقدير.

لكن القيادة الروسية تبذل، في الوقت الحالي قصارى جهدها، لتصحيح هذا الخلل التاريخي على صعيد تقدير الأوليات بعد أن اتضحت الصورة أمامها وتبين أن ما يسمى الحرب الباردة لا تزال تشكل الطبيعة الأساسية للعلاقات الدولية

وأن كل الشعارات التي طرحتها إدارة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ما هي إلا ذرائع واهية تسعى من خلالها إلى وضع سائر بلدان العالم تحت عباءتها مجندة إمكانياتها للتخديم على مصالحها الخاصة التي لا تعكس إلا مصالح وتوجهات حفنة من الأشخاص

أو فئة ضيقة من المجتمع الأميركي تشكل جزءاً لا يتجزأ من المجمعين الصناعيين الحربي والنفطي اللذان يستحوذان على حصة الأسد من اقتصاد الولايات المتحدة برمته، الذي يستحوذ بدوره على حصة الأسد من مجمل الاقتصاد العالمي.

في ذكرى سقوط الجدار الرمز، ما كان في وسع القيادة الروسية أن تترك هذه المناسبة الرمزية الكبرى تمر مرور الكرام، فجاء قرار مجلس الدوما الخاص بتعليق العمل بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة التقليدية في أوروبا ليصب في ذات الاتجاه التراكمي الذي غص في الآونة الأخيرة بخطوات مماثلة كثيرة

تريد القيادة الروسية من خلالها التأكيد على موقعها الريادي ضمن الخارطة الجيوسياسية الدولية التي لا تعرف الثبات ولا تدوم على حال. فمرحباً بالتغيير طالما أنه يرفع نير هيمنة القطب الواحد على مقدرات شعوب الأرض ومصائرها.

bassil@albayan.ae