مكانة فرنسا الدولية والتي أثارت إعجاب المثقفين والسياسيين والأحرار في العالم نبعت من صفحة جديدة في تاريخها فتحته الثورة الفرنسية عام 1789 بمبادئها الشهيرة الحرية والإخاء والمساواة، وبقيت منها مشاهد لم نشاهدها لسقوط سجن «الباستيل» في يد الثوار، وإعلان أول جمهورية في التاريخ الحديث، كما نبعت من سياساتها المستقلة عن التبعية البريطانية التقليدية لأميركا في القضايا الدولية.
لقد طوت هذه الصفحة المضيئة صفحات معتمة تصدرت فيها فرنسا تحت حكم «اللواوسة» لقيادة الحروب الصليبية على الشرق العربي الإسلامي لكنها فشلت في إخضاع هذا الشرق مرة بهزيمة الحملة الصليبية السادسة بقيادة «لويس التاسع» ملك فرنسا على مصر،
والقبض عليه أسيرا في دار القاضي «ابن لقمان» في مدينة «المنصورة»، ومرة بهزيمة الصليبيين بقيادة ريتشارد قلب الأسد على يد جيش المسلمين المصريين في «حطين» بقيادة البطل صلاح الدين الأيوبي وطردهم نهائيا من فلسطين.
وتلت صفحة الثورة الفرنسية ضد الاستبداد، صفحة المقاومة الفرنسية بقيادة «الجنرال ديجول» ضد الاحتلال النازي، وصفحة نهاية الاستعمار الفرنسي باستقلال الجزائر، ثم صفحة الاستقلال الفرنسية عن التبعية الأميركية ـ بعكس مواقف التبعية البريطانية المخزية لـ «بلير» ـ بمعارضة الرئيس شيراك للعدوان على العراق، ما منح الاحترام العالمي لفرنسا في العلاقات الدولية واستمر ملمحا واضحا للسياسة الفرنسية في الجمهوريات الخمس.
حتى جاء الرئيس الجديد ساركوزي ليعلن عزمه على إعادة التحالف مع أميركا، واستعداده لقيام السياسة الفرنسية في عهده بوظيفة وكيل الخدمات في أفريقيا والشرق الأوسط خصوصا في ملفات لبنان وإيران والسودان،
وفى طريقه لواشنطن لكسب قلب أميركا خسر قلب فرنسا، ولكسب قلب الرئيس خسر قلب الزوجة، وبدا وحيدا في حفل الاستقبال حينما وقف الرئيس بوش مع زوجته لورا يتبادل الأنخاب تدشينا للحلف الجديد مع ساركوزي بدون سيسيليا!
ساركوزي الذي يفاخر بصداقته لإسرائيل والذي قدم أوراق اعتماده في واشنطن بقوله أمام الكونجرس الأميركي «من الآن يمكن لأميركا الاعتماد على فرنسا»، هو بغير جدال أكثر الرؤساء الفرنسيين موالاة لأميركا على الإطلاق، قسم قلب فرنسا إلى نصفين ،
وفيما يرى مؤيدوه في هذا الزحف من ساركوزي نحو واشنطن الوحيدة بعد التراجع البريطاني وتنحية بلير تصحيح للعلاقات الفرنسية الأميركية وإنهاء لحقبة التوتر التي شهدتها ولايات كل أسلافه، سواء كانوا ديغوليين أو اشتراكيين.
يعكس تقرير لمراسل البي بي سي في باريس رأي قطاع كبير من الفرنسيين يرى أن إعجاب الرئيس بأميركا «هوس خطير»، وتخليا من فرنسا عن دورها التقليدي في إحداث شيء من التوازن في العالم، لكن رئيسهم الآن يقف في صف «بوش المخيف».
وبينما تقول صحيفة «الفيجارو» في افتتاحيتها: «في بلد لا يحتمل فكرة ان العالم يكرهه ، كان من المنعش للأميركيين سماع أجنبي فرنسي يقول كلاما بهذا التأثر حول الحلم الأميركي». يرى معارضوه انه «تاه في الحلم الأميركي» على حد تعبير صحيفة «ليبراسيون»،
فهم مقتنعون أن رئيسهم يفتح أحضانه لأميركا ليعبدها، لكنه لا يفهمها، وأن مديحه لسياسة رئيس أميركا لا يتناسب مع الرأي السائد في العالم المناهض للحرب الأميركية ضد العراق.
الجديد في هذه الملاحظات التي عرضتها صحيفة ليبراسيون لم يكتبها أي من كتاب الرأي ولا المحررين الصحافيين ، بل مجموعة من الفلاسفة دعتهم الصحيفة حتى تبين أن الفلسفة مازالت لها أهمية في المجتمع الحديث.
كل هؤلاء الفلاسفة يعارضون ساركوزي وحبه للولايات المتحدة ، لكن آراءهم تبعث على التفكير. فيرى الفيلسوف دومينيك كيسادا أن الرئيس «ابتلع كليا» أسطورة البطل الأميركي الوحيد الذي يقف في وجه المجتمع على غرار بطل أفلام العنف الأميركية بروس ويليس.
أما الفيلسوف ميشيل أونفري فتوقف عند مقولة ساركوزي «كسب قلب أميركا» وربطها بخسارة قلب محبوبته وطليقته سيسيليا!.