«الساعون وراء الثقافة». هذا هو الجمهور الذي حددته هدفاً لها «الهوية الإعلامية الجديدة لإمارة أبوظبي» التي شهد إطلاقها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الأسبوع الماضي وسط حشد كبير من أصحاب السمو الشيوخ والمعالي الوزراء وأكثر من 400 مسؤول من القطاعين الحكومي والخاص الذين جاءوا ليشهدوا ملامح هذه الهوية الإعلامية وعناصرها وكيفية تطبيقها لجذب السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر.
«الساعون وراء الثقافة» كما عرّفهم إعلان الهوية الإعلامية هم الأشخاص الذين يرون في السفر طريقة لإغناء أنفسهم، وهم دائمو البحث عن تجارب جديدة في بلدان جديدة، والمقتدرون حالياً على الذهاب حيثما يختارون
لأنهم رواد التجارب الجديدة، فهم يتميزون برغبتهم في اختبار تجارب جديدة تشيع حسن الاكتشاف لديهم، وهم يرفضون الرتابة التي تطغى أكثر فأكثر على حياتهم وعلى غالبية وجهات السفر العالمية، حيث التجارب اليومية هي نفسها في الشواطئ المكتظة والفنادق والمشاهد المتكررة الناتجة عن العولمة.
«الساعون وراء الثقافة» كما وصفتهم الهوية الإعلامية الجديدة لإمارة أبوظبي هم الذين يستمتعون بالمشاركة في التقاليد المحلية بدلاً من الجلوس في حافلة ما، والمشاركة في جولات سياحية منظمة، لأن التجارب المحلية الفعلية وغير المصطنعة هي الأكثر إغناء. إنهم يتوقون إلى الأصالة والحصرية والنوعية المتميزة.
حديث «الهوية» ذو شجون، تغذيه المقالات التي يدبجها الكتّاب كل يوم عن هذه القضية التي أصبحت شغل الناس الشاغل، وغدت بنداً رئيسياً على جداول الندوات واللقاءات التي تنظمها مختلف المؤسسات العلمية والثقافية والأكاديمية، وصارت حديثاً لا تخلو منه المجالس على امتداد رقعة الوطن،
وهمّاً يؤرق الغيورين على هوية البلد الخائفين على كيان الوطن الذي تهب عليه من كل الجهات رياح العولمة والتغريب واختلاف الثقافات وطغيان الأجنبي على المحلي والعربي. تُفاقِمُ من أزمته استهانتنا نحن أبناءه بهذه المخاطر التي تهدد مستقبل الوطن،
وترسم لنا صورة لجيل قادم لا يحمل أيّاً من ملامح آبائه وأجداده والعادات والتقاليد التي تربوا عليها، تلك التي تكاد تصبح اليوم جزءاً من التاريخ لا صلة له بجغرافية الأرض التي لا اعتراض على تغير وجهها شريطة ألا يمتد هذا التغيير إلى جذورها العميقة حيث الأصالة التي تعطيها لونها وعبقها المميز.
إطلاق أبوظبي لهويتها الإعلامية الجديدة يُخرِج موضوع الهوية من قاعات المحاضرات والندوات، ويفك عنها قيد المقالات التي يرى البعض أنها ليست أكثر من صرخة في واد، متناسياً الدور الذي تلعبه في إبقاء القضية داخل دائرة الاهتمام الذي تستحقه،
خاصة وأن الإعلان عن هوية أبوظبي جاء نتيجة جهد بُذل على مدى عامين من العمل الجاد الذي قامت به «هيئة أبوظبي للسياحة» لتطوير هوية متكاملة تقدم جوهر الإمارة بطريقة تجذب السائحين لها كما جاء في كلمة الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس الهيئة الذي أكد أنها هوية متكاملة تشمل عناصر متعددة، وتوفر منهجاً واتجاهاً واضحاً نحو التقدم.
صحيح أن الفكرة جاءت لخلق هوية الإمارة كوجهة سياحية قبل أن تتطور لتشمل القطاعين الحكومي والخاص ولا تقتصر على السياحة فقط، لكن المهم فيها هو التركيز على البعد الثقافي والحضاري النابع من بيئة الإمارات وعاداتها وتقاليدها الأصيلة التي نبتعد عنها يوماً بعد يوم متأثرين باختلاف الثقافات وتعدد الجنسيات اللذين يفرضان وجودهما على مجتمع الإمارات.
ولا أدل على هذا من أن الزائر لبلدنا يخرج بانطباعات إيجابية كثيرة عن التقدم الذي وصلت إليه، والنمو الاقتصادي الذي تعيشه، والأمن الذي تنعم به. لكنه يخرج أيضاً بانطباع سلبي كبير يُجمِعُ كل الزائرين عليه، ذلك هو غياب الهوية المحلية عن وجه البلد، وهو ما تنبهت له «هيئة أبوظبي السياحية» فبادرت إلى عقد حلقات عمل دولية حول نظرة فئات المجتمع للإمارة،
وقامت بإجراء بحث شامل بالتعاون مع وكالات عالمية مرموقة، لتصل إلى هوية ذات مبادئ أساسية تنطبق على جميع القطاعات والجهات في الإمارة، بالإضافة إلى فهم مشترك وهدف موحد يقود إلى رسم تجربة فريدة لزوارها.
ورغم أن الهوية التي أعلنت عنها «هيئة أبوظبي للسياحة» معنية بترويج أبوظبي كوجهة سياحية كما جاء في إعلان إطلاقها، وهو هدف من صلب اختصاص الهيئة، إلا أن هذا يعطي الأمل في البناء على الأسس التي قامت عليها الفكرة، وهو الارتكاز على الثقافة والتراث المحليين،
خاصة بعد أن كشفت نتائج بحوث الهيئة أن العنصر الأساسي لهويتنا يكمن في شيء أكثر خصوصية وأهمية من جميع العناصر الأخرى، ألا وهو «الشعب» الذي يجمع بينه عامل مشترك هو الاحترام (احترام القيادة، احترام العائلة، احترام العادات والتقاليد والتراث، احترام البيئة والتنمية،
وفوق هذا كله احترام بعضنا البعض) كما جاء في كلمة رئيس الهيئة. وهي أسس لو تم البناء عليها لاستطعنا إقامة سد منيع أمام رياح العولمة والتغريب وطغيان الوافد الأجنبي على كل ما هو عربي وأصيل في هذا الوطن.
وعندما نصل إلى أن «الشعب» هو العنصر الأساسي لهويتنا فإن ذلك يقتضي أن تكون لهذا الشعب ملامح هي التي تعكس وجه البلد وتعطي الانطباع الحقيقي والصحيح عنه، هذا الانطباع الذي يرسخ في الذهن ويتحول إلى نمط ثابت من الصعب تغييره.
لذلك علينا ألا نفاجأ عندما ينقل إلينا الزائرون لبلدنا انطباعاتهم عنه بصدق وأمانة؛ هذه الانطباعات التي يأتي على رأسها غياب وجه البلد الحقيقي والأصيل عن واجهاته المختلفة. وواجهات أي بلد معروفة لا تحتاج منا إلى كثير شرح وتفصيل.
هذه الواجهات التي يتعامل معها الزائر يغيب عنها وجه ابن البلد المواطن، وتغيب عنها لغتنا العربية باعتبار اللغة وعاء الفكر، ووسيلة التعبير وحاضنة الثقافة والتراث وصمام الأمان الذي يحمي البلد والأمة من غزو الثقافات الأخرى وخليط الجنسيات الذي يفرض نفسه على مجتمع الإمارات.
كما تغيب عن واجهات البلد أشياء أخرى هي من أولويات الحفاظ على الهوية الوطنية لأي بلد. هذا على صعيد الواجهات فقط، ولو غصنا في الأعماق لوجدنا الكثير الذي يجعلنا نلمس الخطر المحدق بنا ونحن عنه غافلون أو منتشون بالقشور غير مستشعرين المأساة التي نحن إليها سائرون.
«هوية أبوظبي الإعلامية» هدية قدمتها لنا «هيئة أبوظبي السياحية» في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى هذا النوع من الهدايا، فشكراً لكل من أسهم بجهد فيها، وكلنا أمل أن تحذو الإمارات الأخرى حذوها، إلى حين أن تتبلور مبادرة اتحادية شاملة تعيد لنا هويتنا، أو تحافظ لنا على ما تبقى منها.
كاتب إماراتي