إسرائيل تستحث رئيس السلطة الفلسطينية على نشر قوات الأمن الفلسطينية في مدن الضفة الغربية لملاحقة نشطاء المقاومة الوطنية. السلطة الفلسطينية تقول: سمعاً وطاعة. وعلى الفور تنتشر قوة أمنية فلسطينية من 300 عنصر مسلح في مدينة نابلس بأمر من رئيس الوزراء سلام فياض.

هنا يحدث شيء غريب: تواصل القوات الإسرائيلية مداهماتها المتسلسلة في أحياء المدينة لاعتقال الناشطين من عناصر المقاومة عامدة إلى تهميش القوات الفلسطينية ليس فقط لمنعها من المشاركة في عمليات المداهمة.. بل حتى بتجريد بعضها من السلاح.

لكن رغم هذه الغرابة الظاهرية فإن الرسالة واضحة: إسرائيل تريد أن تخلق لدى الرأي العام العالمي انطباعين في آن معاً:

أولاً أن القيادة الفلسطينية «الشرعية» تشارك الإسرائيليين في اعتبار أن فصائل المقاومة ليست سوى منظمات «إرهابية» يجب أن تقمع».

وثانياً: أن السلطة الفلسطينية مع ذلك عاجزة وواهنة عن كبح «الإرهاب» وبالتالي لا يجوز لإسرائيل أن تبرم معها اتفاق سلام. إذن فالسلام يرجأ إلى أن يستجمع الرئيس محمود أبو مازن لسلطته إرادة سياسية وقوة هجومية بقدر كافٍ.

ويمكن أن يضاف عنصر ثالث إلى مضمون الرسالة الإسرائيلية وهو أنه ليست هناك أية جهة فلسطينية بمنأى عن الإذلال الإسرائيلي حتى لو كانت سلطة الرئيس أبومازن. وربما في مثل هذا الوضع تكون السلطة الفلسطينية جديرة بتعاطف عربي. ولكن كيف يجوز ان تحظى بمثل هذا التعاطف.. وهي لا تقبل الإهانة الإسرائيلية فحسب بل تسعى إلى استرضاء السلطة الاحتلالية الإسرائيلية.

في الأسبوع المنصرم تقدم سفير السلطة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة رياض منصور بمشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي ينعت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بأنها ميليشيا خارجة على القانون. ولولا معارضة حازمة من جانب ممثلي الدول العربية لدى الأمم المتحدة لواصل المندوب الفلسطيني الدفع بالمشروع إلى أن يجاز كقرار دولي.

لقد وصفت حكومة حماس في غزة تحرك سفير السلطة الفلسطينية بأنه مخز ومخجل، وهو كذلك فعلاً لأنه يوحي وكأن هذا الدبلوماسي الفلسطيني ممثل ثانٍ لإسرائيل لدى المنظمة الدولية.

والسؤال الذي يطرح هو: هل يعقل أن تحرك السفير رياض منصور مجرد مبادرة فردية وليس تنفيذاً لتوجيه من الرئيس أبومازن؟ إننا نرجو أن يكون الأمر كذلك. ولكن في هذه الحالة فإنه يتوجب على الرئيس أبومازن ليس فقط إقالة السفير بل أيضاً إخضاعه لمحاسبة عسيرة.

إننا نخشى أن يكون تحرك السفير الفلسطيني في أروقة الأمم المتحدة ليس فقط تنفيذاً لتوجيه محدد من قيادته السياسية العليا وإنما يعكس أيضاً تجاوباً من رئيس السلطة الفلسطينية مع ضغط في هذا الصدد من إسرائيل والولايات المتحدة.. وذلك في سياق مراهنة الرئيس الفلسطيني على الوهم السرابي المتمثل في «المؤتمر الدولي» الذي تتبناه وترعاه الولايات المتحدة.

إنه وهم وسيبقى وهماً لأن القيادة الإسرائيلية لن تكف عن الإعلان بأن السلطة الفلسطينية بقيادة أبومازن «عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها في مجال الأمن» كما ورد مؤخراً في تقرير رسمي وضعته الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ونشرته صحف إسرائيلية.

وهكذا سيقول أيضاً المؤتمر «الدولي» الأميركي لتبرير تأجيل قيام دولة فلسطينية لأجل غير مسمى.

أحمد عمرابي