مرة ثالثة، ضمن المهلة الدستورية، يلجأ اللبنانيون إلى تأجيل الاستحقاق الرئاسي. تعذُّر الاتفاق على المرشح «التوافقي»، فرض هذا الخيار استقر الرأي عليه باعتبار أنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان. شراء فسحة وقت إضافي هو الورقة المتاحة. أو البديل الأسلم.
على الأقل هكذا بدت الخطوة. وهي بذلك أبقت على الباب مفتوحاً أمام احتمالات الانفراج. خاصة وأنها حصلت بالتفاهم بين الأطراف؛ وأن الوساطات والاتصالات في الأيام الأخيرة أوحت بأن الأجواء واعدة. لكن التأجيل هذه المرة سيف بحدين، بقدر ما هو قابل ليكون جسر العبور إلى بر الأمان؛ بقدر ما يمكنه أن يتحول إلى معبر نحو المأزق، فالفراغ الدستوري. أو في أحسن الحالات أن يتحول إلى لعبة روليت روسية.
الامتحان يكمن في كيفية التعامل مع هذا التمديد؛ الذي يقف، بحكم ضيق الوقت، عند منعطف إجباري نحو واحد من سبيلين: إما طريق الخلاص وإما طريق المجهول. لقد مضى على الأزمة اللبنانية ثلاث سنوات.
مرت في محطات، لامست تخوم الانفجار، محاولات حوارية وتشاورية، عجزت عن كسر الجليد، دخلت أطراف عربية وإقليمية ودولية على الخط، لكن من غير جدوى، في الآونة الأخيرة ومع بدء مهلة الشهرين الدستورية لانتخاب رئيس جديد؛ تحوّل الاستحقاق إلى محور يلخّص الأزمة.
التجاذب بلغ مداه لتحاشي الانسداد، طرحت صيغة «التوافق» على مرشح، لا اعتراض عليه ومقبول من الموالاة والمعارضة. لاقى الاقتراح الترحيب، من زاوية أنه يشكل مشروع مخرج للأزمة. تكثفت اللقاءات وزيارات الوسطاء، بحثاً عن هذا المقبول. لكن المراوحة بقيت سيد الموقف. العقدة ـ كما يبدو ـ كانت في أن لكل فريق مواصفاته ل«التوافقي».
من جديد تدفق الوسطاء العرب والأوروبيون لتقريب وجهات النظر. ارتفع منسوب الضغوط مع اقتراب موعد الجلسة الثانية يوم 12 الجاري. مرجعيات لبنانية حذرت ولأول مرة من خطر «تفكك» البلد. كلام عكس عمق الأزمة وخطورة الاعتبارات والحسابات المستبدة بها.
كما عكس مدى المخاوف الحقيقية على مصير البلد. في ضوء وصول الأمور إلى هذا الحد ارتفع عيار الجولات المكوكية للوسطاء. الشائع والمتداول أن هجوم الموعد فرض مرونة، أدت إلى تفاهم على آلية لكسر الدوامة. على هذا الأساس جرى تأجيل جلسة الانتخاب إلى يوم 21 الجاري، من أجل إعطاء هذه الآلية الوقت اللازم لوضعها موضع التنفيذ.
الظاهر من المؤشرات يفيد بأن كفة انقشاع غيوم الأزمة بدأت ترجح. يعزّز ذلك أن موجة أخرى على مستوى رفيع من مهندسي هذه الآلية وداعميها. ستصل بيروت في الأيام القليلة القادمة؛ من أجل ترسيخ هذا الرجحان وترجمته بانتخاب «الوفاقي» العتيد؛ في الجلسة القادمة للبرلمان اللبناني.
إذا سارت الأمور وفق هذا المنحنى تكون الأزمة اللبنانية قد دخلت آخر فصولها. لكن ذلك مرهون بمدى الاستعداد للتجاوب مع شروط الخلاص؛ من جانب الأطراف اللبنانية المعنية؛ المطلوب منها تقديم أولويات هذا الخلاص على أية حسابات أخرى.
لقد تعب الوسطاء. كما تعبت بيروت من تخييب مساعيهم، فاللحظة اللبنانية الراهنة حاسمة. والبلد يعيش آخر جولة سباق مع الزمن. يوم 21 الجاري فاصل. المهلة الدستورية تلفظ أنفاسها يوم 24 من هذا الشهر هدير الموعد على مرمى السمع. ولعبة شد الحبال انقضى وقتها وحده الوفاق يقود إلى الخلاص.
