الحضارات، كما يقول مؤرخوها، تولد، فتشب، ثم تشيخ، وتعلن وفاتها، وهذا التوصيف الذي يشبه مراحل عمر الإنسان له دلالاته المنطقية، فقد أنجبت عبقرية الإنسان التطور الهائل، بدءاً من تحديد الأسرة، واكتشاف النار، إلى اكتشاف الجينات والفضاء، وكل ما يحيط بالكرة الأرضية، وما تكتنزه من علوم، وفنون وابتكارات صعدت بمستوى الإنسان "السوبر مان" لكن التاريخ يعطينا صورة أخرى، لا نرى في هذه المسارات التسامح والعدالة.
فقد وجد في ظل تلك الحضارات بؤس بشري، استرقاق، وفوارق عرقية واجتماعية وطبقية، ومظالم أخرى هائلة، وقد جاءت الديانات السماوية لتقهر هذا السلوك وتبدل القسوة بالتسامح، إلا أن غرائز الإنسان التي تحكمت بسلوكه، هي من تسبب في إقامة الحروب، وحرائقها العظمى، وكان أكبر كارثة لهذا المخلوق، أنه صاحب ابتكارات الأسلحة التي تسببت في الإبادة العامة للعديد من الناس ونواتج الطبيعة وخيراتها.
الغريب في سيرة تلك الحضارات ودوراتها، أن تجد المسالمة والمتوحشة التي فرضت هيمنتها وتوسعها، والأولى لعب المكان دوره في استقرارها وسلمية أهدافها، ويبدو أن وفرة الغذاء، وتجانس المجتمع وغنى البيئة، عوامل أساسية في توازنها الداخلي، وعدم الخروج للاعتداء على الآخرين. وهذا المكون الجغرافي جعل الهند، والصين ومعظم دول آسيا مسالمة بطبيعتها، ويشابهها في السلم القارة الافريقية، والتي طالما كانت هدفاً للقوى التاريخية، لكننا حين نرى الطرف الآخر، أي حضارات الإغريق، والرومان وغيرهما التي سعت للتوسع والغزوات المتكررة، وكذلك ما صنعه الاستعمار في القرون القريبة الماضية يشابه، إلى حد بعيد ذلك الميراث التاريخي الذي ولدته حضارات أوروبا القديمة وكأنما إنسان القارة الذي صنع معجزات العصر الحديث هو السلالة التي أغرقت الشعوب القديمة والحديثة بكبريائها وعنصريتها، حتى ان الإبادات التي تعرض لها الاستراليون الأصليون والنيوزلنديون، وكذلك الهنود الحمر والأفارقة، وما جرى لشعوب أمريكا الجنوبية، يحمل جينات تلك الوحشية المتوارثة لتلك الحضارات، والتي طمست غيرها مثل ما قدمته حضارة (المايا) العظيمة، وكادوا يمسخون، باسم التطرف المسيحي، كل موروثات العالم القديم، أو انتسابها لغير شعوبها الأصلية.
فسكان الجزر المنغلقة، مثل بريطانيا، واليابان، لا يشابهون بأي حال الاندونيسيين، وإنما يتماثلون بالمطامع والغزوات مع الجزيرة (الأميزية) أو اسبانيا والبرتغال الحاليتين وحتى التنوع الجغرافي وتعدد المناخات والمحاصيل والثروات الهائلة في أمريكا الشمالية، لم تتشابه مع الهند، وحتى روسيا التي تقاسمت من خلال نزعاتها، قبل الشيوعية، الحرب والاستسلام للغزاة، ظلت أقل أطماعاً من غيرها.
هنا يعيدنا الموضوع، هل للجغرافيا أسبابها التي زرعت المغامرين وجعلتهم قراصنة عصورهم، أم انه الإنسان الذي يحمل نزعة مركبة من حضارة توسعية، وروح مهيمنة على الآخر؟. إن من يعرف تاريخ الأسكندر الأكبر، يدرك لماذا وجدت الحضارات المسالمة والأخرى العدوانية.
