أذكر منذ خمس سنوات عندما كان الناس يهربون من زحام دبي إلى هدوء الشارقة، والآن انقلب الحال تماماً، فقد ازدحمت الشارقة واختنقت وضاقت على أهلها، وأصبح كل وقت فيها وقت ذروة من الفجر حتى منتصف الليل، كما انعكس الضيق والاختناق على مباني الشارقة الجديدة وخاصة الأبراج الشاهقة التي تبنى في كل مكان وبشكل على ما يبدو لا يوجد فيه أي تخطيط أو تنسيق.

فعندما تقترب من المدينة يهيأ لك وكأن أبراجها ومبانيها ملتصقة ببعضها، والمسافات بين المباني وبعضها لا تتجاوز أمتاراً قليلة ولا تكفي ربما لمرور سيارة، ماذا لو لا قدر الله حدث حريق أو أي حادث طارئ في أي مبنى من المباني، بالطبع ضيق الطرق لا يمكن سيارات الإطفاء أو الإسعاف من المرور بين المباني، هذا إلى جانب أن هذا الشكل يخالف قواعد الصحة والأخلاق الاجتماعية.

فلا مساحات لتردد الهواء أو لدخول الشمس، كما أن اقتراب المباني يخدش الحياء عند ساكنيها الذين لا يستطيعون فتح نوافذهم وشرفاتهم بينما أمامهم جيران على بعد مسافة قريبة، بل تقترب المباني من بعضها في مناطق مثل التعاون والخان بالدرجة التي ربما يسمع فيها السكان بسهولة حديث جيرانهم بل حتى همساتهم.

نعلم أنه لا مجال لوقف المد العمراني، ونعلم أن بناء الأبراج الشاهقة أيضاً مستمر ومطلوب أيضاً لمواجهة الطلب المتنامي على الشقق السكنية وكذلك المكاتب، لكن أن تظل شركات البناء تعمل طوال ساعات الليل والنهار في المناطق السكنية فهذا ما يدعو السكان إلى التذمر والضجر من الإزعاج الذي لا يراعي ساعات راحتهم وسكونهم.

هذه الأصوات تخرج من منطقتي الخان والقصباء، وطالما جئنا على ذكر القصباء فنتوقف عند هذه المنطقة الرائعة الجمال بكل معاني الكلمة، يتملك زائرها حزن وحسرة على ما آل إليه حالها، فقبل عامين لا أكثر كانت تشع سحراً وجمالاً وتفيض روعة ورونقاً، اليوم ضاع كل ذلك واختفى بعد أن غطت الأبراج والتصقت بها المباني، فلم تعد كما كانت.

أكرر أنه لا يمكن هدم المباني والأبراج الشاهقة ولا وقف طوفان البناء في الإمارة الباسمة أو غيرها، بل ربما كان لهذا المد فائدة كبيرة للناس في ظل جنون ارتفاع أسعار الإيجارات، ولكن لابد من شيء من التنظيم والتقيد بمعايير ومواصفات البنية التحتية التي ينبغي مراعاتها عند البناء.

fadheela@albayan.ae