استبق الرئيس المصري حسني مبارك مؤتمر الحزب الوطني الذي يرأسه بالإعلان عن بدء برنامج لبناء عدد من المحطات النووية لتوليد الكهرباء في مصر. وقد تلافى مبارك بذلك الخطأ السابق حين جاء الإعلان عن بدء الدراسات لتفعيل البرنامج النووي لمصر على لسان نجله جمال وفي مؤتمر للحزب الوطني.
الأمر الذي ادخل القضية في جدل سياسي حول تحويل قضية قومية إلى قضية حزبية، وحول استغلالها في موضوع خلافة الرئيس مبارك وجعلها ورقة في ملف (التوريث) الذي أصبح منذ سنوات محوراً للخلاف الذي استهلك الكثير من الطاقة السياسية للحياة الحزبية في مصر.
اختار الرئيس مبارك أن يعلن القرار المهم ببدء الخطوات التنفيذية لإقامة أول محطة نووية لتوليد الكهرباء في احتفال متواضع بمناسبة افتتاح محطة كهرباء بشمال القاهرة. وهو أمر يبعد القضية عن الصراع الحزبي، بل ويضعها في مجال توليد الطاقة للاستخدام السلمي، في محاولة لإبعادها عن الجوانب العسكرية التي كانت ـ وستظل ـ محور الصراع على البرنامج النووي المصري الذي بدأ قبل خمسين سنة.
لكن الظروف تتغير هذه المرة. فالولايات المتحدة حاضرة وموافقة على البرنامج المصري، ومصر تؤكد انه برنامج سلمي لا يستهدف إلا توفير الطاقة في دولة لا تملك الكثير من مخزون البترول والغاز الطبيعي.
نحن أمام برنامج نووي يزيد عمره على خمسين عاما، كان هناك هيئة الطاقة النووية، وكان هناك مفاعل للأبحاث العلمية، وكانت هناك كوادر فنية استطاعت مصر الحفاظ عليها وتنميتها خلال هذه الفترة التي شهدت عدة محاولات لإنشاء محطات الطاقة النووية كان أولها في الستينات وتم إغلاق صفحتها مع حرب 67،
وكانت آخرها في الثمانينات حينما توصلت مصر بالفعل إلى اتفاق مع ألمانيا ( الغربية وقتذاك ) لإنشاء عدد من المحطات عام 1981، وكان الاتفاق جزءاً من خطة ألمانية قدمها المستشار الألماني هيلموت شميث «لدعم السلام في الشرق الأوسط» بعد كامب ديفيد والمعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية.
وكانت خطة المستشار الألماني تستهدف تعزيز هذا الاتفاق، وكما قدمت الولايات المتحدة معونة عسكرية واقتصادية لمصر وإسرائيل في هذا الإطار، دخل المستشار الألماني شميث على الخط باقتراحه المساعدة الألمانية في إنشاء أربع محطات نووية كخطوة لتحقيق «التوازن التكنولوجي» بين مصر وإسرائيل وبما يسمح بتحقيق الرخاء الاقتصادي الذي يحول دون العودة للصراع المسلح.
لكن الاتفاقية التي وقعها في ألمانيا وزير الكهرباء المصري يومذاك المهندس ماهر أباظة في أكتوبر 1981 لم تجد طريقها للتنفيذ، فقد استمرت الضغوط الخارجية لتعطيل البرنامج حتى جاءت حادثة تشرنوبيل في الاتحاد السوفييتي وقتذاك عام 1986، والتي كان لها أثرها السلبي على إنشاء المحطات النووية في العالم كله.
توقف البرنامج في مصر بعد ذلك، ولكن بعد أن كانت الدراسات قد تمت لاختيار المواقع الصالحة لإنشاء المحطات النووية. والتي انتهت إلى أن موقع «الضبعة» في الساحل الشمالي هي الأصلح على الإطلاق وقدرت الدراسات التي استغرقت عدة سنوات
وتكلفت في ذلك الوقت 700 مليون جنيه أن موقع «الضبعة» مجهز لاستيعاب 6 محطات نووية قدرة كل منها 12 ألف ميجاوات سنويا. وكان البرنامج النووي المصري الذي تم إقراره من المجلس الأعلى للطاقة عام 1980 قد شمل إنشاء ثماني محطات نووية للاستخدام السلمي قبل عام 2000 قبل أن يتوقف كل شيء بعد 1986.
والآن، وبعد عشرين سنة، يعود البرنامج النووي السلمي، وتزداد بالطبع التكلفة، ولكن هناك إجماعا وطنيا على ضرورة الخطوة في ظل حقيقة أن مخزون البترول لا يكفي سوى لعشرين عاماً، وأن احتياطي الغاز الطبيعي يكفي لأربعين عاما فقط.
لكن بالقطع فإن الأمر لابد أن يتعدى ذلك إلى ما هو أهم واخطر.. فالقضية ـ بالنسبة لمصر ـ لا يمكن أن تكون شراء محطة نووية جاهزة، وتركيبها عن طريق الشركات الأجنبية الموردة، والتي يمكن لها أو لغيرها من الشركات الأجنبية، أن تشرف على تشغليها وصيانتها. هذا النموذج قد يصلح في مناطق أخرى، ولكن الأمر في مصر لابد أن يختلف.
فمصر بما تملكه من خبرات فنية وقدرات تكنولوجية في هذا المجال وعلماء لم تتمكن إسرائيل من اغتيالهم كما فعلت مع زملائهم مثل الدكتور المشد، لا يمكن أن تكون محطاتها النووية إلا تحت إشرافها الكامل وكجزء من برنامج اشمل يستهدف امتلاك المعرفة العلمية واستخدامها في كل مجالات التقدم.
الجانب الآخر من الجدل الداخلي يدور حول الموقع الذي كان قد تم تحديده لبناء المحطة النووية في «الضبعة» في الساحل الشمالي، حيث يسعى بعض المستثمرين منذ فترة للاستيلاء عليه واستخدامه في مشروعات سياحية ويشكلون «لوبي» يطالب باختيار موقع جديد للمشروع النووي بعيداً عن المناطق السياحية،
وهو أمر يعني ضياع ما بين ثلاث وخمس سنوات لاختيار الموقع الجديد، علماً بأن كل الدراسات أثبتت أن «الضبعة» هي أفضل موقع على الإطلاق من كل الجوانب بما فيها عوامل مقاومة الزلازل، ومع الأخذ في الاعتبار أن عوامل الأمان قد أصبحت مؤكدة في ظل التقدم التكنولوجي الكبير في هذا المجال،
ومع الأخذ في الاعتبار أيضا أن ألف علامة استفهام وتعجب تثور حين يقترح هذا «اللوبي» الاستثماري إقامة المشروع النووي على الجانب الآخر في سيناء، وبالقرب أيضا من مشروعات سياحية، ولكن بالقرب أيضا من الحدود مع العدو الإسرائيلي!!
لكن الجدل الأهم هو حول مستقبل البرنامج النووي المصري، وهو برنامج لا يقتصر فقط على توليد الكهرباء، ولكنه يتعداه إلى مجالات أخرى أهم واخطر.. سواء فيما يتعلق بآفاق البحث العلمي التي يمكن أن تفتحها الخطوة الجديدة أمام العلماء الذين تملك مصر ثروة منهم
رغم انحسار الاهتمام والرعاية على مدى سنوات طويلة، أو فيما يتعلق بإمكانية تحويل البرنامج المدني إلى عسكري.. وهو أمر لا يمكن تجاهله في إطار امتلاك إسرائيل للسلاح النووي وسعي إيران على هذا الطريق. وفي هذا المجال يمكن.
إعلان الولايات المتحدة أنها لن تعترض على برنامج مصر طالما أن القاهرة ظلت ملتزمة بمعاهدة منع الانتشار النووي وبشروط وكالة الطاقة النووية الدولية. الصمت الإسرائيلي أمام إعلان مصر والعديد من الدول العربية عن مشروعات أو اتفاقات لإنشاء محطات نووية لإنتاج الكهرباء.
وقد حدث ذلك مع إعلان الرئيس الفرنسي أثناء زيارته للمغرب عن الاستعداد لمساعدة الأخيرة في إنشاء مشروع للطاقة النووية السلمية، وكذلك مع الإعلان عن مشروعات مماثلة في الدول العربية في الخليج وكذلك في الأردن وفي ليبيا التي تريد التعويض عن تسليمها ما كانت قد حصلت عليه من العالم النووي الباكستاني عبدالقادر خان للولايات المتحدة بمساعدتها في إنشاء محطات نووية ضمن برنامج سلمي مراقب دولياً.
الصمت الإسرائيلي والموافقة الأميركية يعكسان اطمئناناً على التزام مصر والدول العربية بالشروط الدولية من جانب، ولكنه يعكس أيضا عدم الرغبة في فتح الملف النووي الإسرائيلي للنقاش، وتوجيه الأنظار إلى أن النشاط العربي في هذا المجال هو رد فعل للنشاط النووي الإيراني فقط.
في ظل كل هذا الجدل يصبح إعلان مصر دولة نووية أمراً مهماً وحيوياً، وتدرك كل الأطراف أن الأمر لا يمكن أن يقتصر على «استيراد» محطة لإنتاج الطاقة. وإنما الأمر يتعدى ذلك إلى إعادة الروح لمشروع مصر النووي الذي يتعدى امتلاك مصر محطات إنتاج الطاقة وتشغليها إلى ما هو أهم: وهو امتلاك المعرفة العلمية،
ودفع البحث العلمي في هذا المجال خطوات إلى الأمام تعوض سنوات من التعطيل. وفي هذا الإطار يصبح امتلاك التقنية اللازمة لتخصيب اليورانيوم أمراً هاماً، وتطوير وإنشاء المفاعلات النووية للبحث العلمي خطوة لابد أن تتم مع امتلاك مصر لذخيرة من العلماء في الداخل بالإضافة إلى علماء في الخارج يمكن أن يساهموا في تطوير برنامج مصر النووي في الفترة المقبلة.
نقيب الصحافيين المصريين