ساسة وصحافيون وبرلمانيون منتخبون ومن غرف برلمانية معينة ومستكتبون كلهم أو بالأحرى جلهم لعنوا التحالف السلفي - الوفاقي وقد يذهب البعض ليقول إن هكذا تحالف إن هو إلا ضد الأمة وقد تخرج علينا قريبا فتوى تحرم ذلك، وتعتبره خروجا عن الدين وتعاليمه!.

أو أن ترى فيه عملا مناهضا لأمن الدولة والمجتمع!! بل إن الآلة الإعلامية عند البعض قد بدأت ترى في هذا التحالف خروجا عن إجماع الأمة وكأن إجماع الأمة أو بعضها ليس بتحالف، ولم أجد في كتب العلوم الاجتماعية،

أو في الديمقراطيات العريقة التي يفترض أن نتمثل بها شيئا يقترب مما بدأت اسمعه أو أقرأ عنه حول هذا الحدث الذي بات عند البعض جسيما. وتبدو لي الجسامة هي فيما بدت قراءات البعض له وليس الأمر ذاته.

نقول إن العمل السياسي لا يقوم إلا على قدر من التحالف سواء، أكان ذلك داخل التنظيم السياسي الأوحد القابض على الأمور في الدولة أي دولة كانت على وجه الأرض، أو بين أطرافه وأجنحته السياسية المختلفة والمتصارعة على القوة سواء أكان ذلك عبر أدوات الصراع السلمي أو عبر الصراعات العنيفة والحروب.

فالتحالفات هي نوع من الاجتماع الإنساني في شكله المفيد والايجابي أو في نسخته الضارة والسلبية وهو شأن الخليقة والدولة والمجتمع لا يستقيم شأنها جميعا دون وجود قدر من التحالف (وقد يسميه البعض بالاتفاق أو بالإجماع) بين أطرافها المختلفة.

فما المستغرب إذن في أن يكون هناك تحالف بين بعض القوى أو الكتل داخل المجلس النيابي أو خارجه، وما الجديد في أن يكون هذا تحالفاً بين بعض من قواه وجماعاته. فاللعبة البرلمانية وقانون ضبط الصراع بين القوى هو قائم على لعبة التحالف،

وهي سمة من سمات المجتمعات المتعددة القوى والجماعات حيث لا تكون هناك قوة لما يسمى بالأكثرية دون تحالف أو تعاقد أو اتفاق مع القوى والجماعات الأخرى. فإذا ما ارتضينا وقبلنا بمبدأ التنوع والتعدد فإن هذا التعدد لا يمكن أن يعمل دون نسج للعلاقة مع الأطراف الأخرى.

وإذا ما كنا نطلب من أي من القوى القبول باللعبة السياسية القائمة والعمل البرلماني فإن هذا لا يمكن له أن يتم أو أن يتطور دون أن تنسج القوى الفاعلة فيه قدرا من الاتفاق المشترك فيما بينها حول قضايا أو رؤى أو قيم مشتركة للعمل فيما بينها،

أي أن يقوم عملها على قدر من (التحالف) ولو المرحلي أو ذلك القائم على موضوعات محددة وإن جاء هذا التحالف مخالفا لرغبات البعض أو مرئياته. وحتى داخل النظم الشمولية كما في الاتحاد السوفييتي سابقا ومثيلاته في الدول العربية والعالم الثالث ذات النهج والموقف السياسي الشمولي،

فإن حزبها أو أحزابها الحاكمة تقوم على تحالف بين أجنحتها الداخلية المختلفة وإلا فإن الشكل الآخر هو أن تقوم قوى أو جناح معين بالقضاء على الأجنحة الأخرى من القوى الداخلة في مؤسسة الحكم أو الدولة،

كما فعلت الأحزاب الحاكمة في العراق قبل السقوط بالقضاء على الأجنحة المخالفة لها بالقتل عندما تم القضاء على كل القوى الفكرية والحزبية المناهضة للرئيس العراقي السابق داخل حزب البعث في مطلع الثمانينات من القرن الماضي (مجموعة عبد القادر السامرائي وآخرون) أو بالقضاء على المخالفين بالسجن والنفي كما حدث في سوريا في سبعينات القرن الماضي(مجموعة صلاح جديد).

ولا يخفى على الجميع أن البعض يتحدث علنا أو خلسة عن تحالف قائم بين الدولة أو بعض أطرافها والمجتمع التجاري أو بين الدولة أو أطرافا فيها أو بعضهم وقوى الإسلام السياسي السني ممثلا في حركتي الإخوان المسلمين وجماعة السلف أو تحالف القوى المعارضة القائم بين قوى الإسلام السياسي الشيعي في تحالف قوى جمعية الوفاق المختلفة وقوى اليسار العربي والأممي المعارض.

ثم أليست الدولة كطرف داخلة في تحالف سياسي وعسكري واقتصادي إقليمي يسمى بمجلس التعاون لدول الخليج العربية وأليست هي كذلك داخلة في تحالف إقليمي رغم ضعفه أسمه جامعة الدول العربية. وألسنا طرفا في تحالف أممي أوسع غير متحد الأهداف والمرامي يسمى الأمم المتحدة.

ثم ألم نكن في حرب تحرير الكويت جزءا من تحالف إقليمي ودولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ضم كل دول مجلس التعاون ومصر وسوريا والمملكة المغربية والمملكة المتحدة وفرنسا وغيرها ضد تحالف آخر ضم العراق والأردن واليمن والسودان ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ثم إننا في شبكة علاقاتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية نقيم دائما شبكة من التحالفات المختلفة داخل الأسرة والجماعة والقبيلة والمنظمة السياسية ومؤسسات العمل وغيرها. وبعض هذه التحالفات تأخذ أسماء شتى، وبعضه تحالفات وهمية أو هلامية تفرق أكثر من كونها جامعة موحدة، وتأخذ هذه التحالفات في الغالب أسماء وأشكالا شتى.

والتحالفات إن هي إلا التقاء بين أطراف قد تجمعها مصالح في مقابل مصالح الآخر أو تجمعها أهداف أو مرام ضد أهداف ومرامي الآخر. وبعض هذه التحالفات قصيرة المدى ومرحلية وبعضها بعيدة المدى وإستراتيجية بالنسبة للقوى الداخلة فيها. وهذه التحالفات تفرضها حالة العمل السياسي المشترك ودونها يكون نفي الآخر أو التخلص منه أما بالطريقة العراقية السابقة ولربما الآنية أو بالطريقة الشامية.

وقد تنشأ بعض التحالفات التي قد تقوم على فكرة التخلص من الآخر وهي تحالفات سرعان ما تقود إلى حالة من الشقاق والصراع المميت أحيانا بين الداخلين فيه، وقد يكون البقاء في هذه الحالة للأقوى كما يحدث في الحالة السياسية العربية وشبكة علاقاتها التي هي في جلها مرحلية وتكتيكية بحيث لا تجلب أي ضرر أو أن تحدث أي قدر مهم من التغيير في مركب القوة القائم.

ولكوننا نمر بمرحلة أقرب إلى التجريبية التي يجرب فيها الداخلون في العمل السياسي مهاراتهم و قدراتهم الخاصة أو تلك المجلوبة من الخارج فإن حالة من الفزع تنتاب أحيانا أفرادا من السلطات المختلفة عندما يطالون بالكلام أو ينادون عليهم للتحقيق في خلل الم بمؤسساتهم التي أنيط بهم أمر إدارتها.

أو أن تكون آليات العمل البرلماني قد توظف من قبل البعض لتحقيق أهداف سياسية أو نفعية معينة، أو إنها قد توظف لتخويف وزراء أو للحصول منهم على تنازلات نفعية لبعض أصحاب النفوذ أو جماعات الضغط. و تؤكد التجربة البرلمانية الكويتية و في ظل سيطرة التضامنيات الدينية والقبلية

كيف إن آليات العمل البرلماني من لجان تحقيق أو سحب الثقة كيف إنها قد وظفت من قبل هذه القوى وأخرى فاعلة في المجتمع الكويتي، للتخلص من وزراء كثر قد يكون ذنب بعضهم النزاهة واللبرلة.

وبشكل عام فإنه إذا ما ارتضينا جميعا العمل السياسي في صيغته الحالية فإن جزءا أساسيا من آلياته وأدواته هو أمر المساءلة والتحقيق وقد يمتد ذلك لمسألة طرح للثقة وهي في صلب وجوهر العمل الرقابي للسلطة التشريعية.

وفي كل البرلمانات في الدول الديمقراطية والتي لا تمتلك الأطراف الفاعلة فيه أيا من الأكثرية المطلقة أو النسبية فإن مدخل تحقيق قدر من التغيير في أداء السلطة التنفيذية يتم من خلال نسج هذه التحالفات.

وهذه التحالفات قد تتم أحيانا بين فرقاء متحاربين أو لربما متخاصمين أو كما يقال أحيانا مع الشيطان فمن ارتضى العمل السياسي فإن قدرا من الميكيافلية لا بد أن تصبغ عمله السياسي ليس في صورته الانتهازية المفرطة وإنما في العمل السياسي يتطلب قدرا من الميكيافلية والواقعية وأحيانا التخلي المرحلي عما يسمى بدغماتية الخطاب السياسي المعلن.إلا إن مثل هذا الأمر لا يجب أن يأخذ لدرجة «العباطة» السياسية أو ميكيافلية متضخمة تصل لدرجة الانتهازية المفرطة.

وأعتقد أن أهمية التحالف المقام بين الكتلة الوفاقية الأوسع وكتلة الأصالة بالنسبة لي كمراقب للعمل السياسي المحلي بشكل عام، رغما عن أنه قد يُرى من زاوية إنه مصيدة سرعان ما وقعت فيها الوفاق وأخطأت كما هي سبق وأن أخطأت في لجنة تحقيق ربيع الثقافة، يتمثل في حقيقة،

إن دخول الوفاق كتنظيم سياسي للعمل البرلماني السلمي هي تجربة قصيرة جدا وأمام ضغوط غير عادية من شارع وجماهير على درجة كبيرة من التسييس والتعبئة وأمام ضغوط أطراف أخرى مشككة في الجدوى السياسية لها في الدخول،

فإني أعتقد أن بعضا من الأطراف داخل الدولة وداخل السلطة التشريعية أو تلك القادرة على التأثير في بعض من قواه وكتله مطالبة بأن تدفع نحو قدر من الحراك والإنجاز التشريعي والرقابي ولربما المحاسبي للمجلس

بما يشمل ذلك المتعلق بأحوال الناس المعيشية رغم جوهريتها وأهميتها، وأن يسمح لقدر من التحالف المؤدي نحو قدر من الإنجاز في بعض من الملفات الشائكة والمثيرة، بمعنى أن يسمح للمجلس أن يكون سلطة ندية ولو بقدر أو بعد حين. والله من وراء القصد.

كاتب بحريني