يقع الخليج ومنذ فترة من الزمن في قلب صراع دائر بين تزمت تيارين متشددين إحداهما أتي لنا من الولايات المتحدة ويقوده الرئيس جورج بوش الابن والآخر أتي من إيران ويقوده الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد؛ وكل منهما له أجندته؛
فمحافظو أميركا الجدد يريدون سيطرة أميركا الكاملة على منطقة الخليج وبفرض سياساتها عليها من دون منافسة من أية جهة إقليمية أو دولية؛ في حين أن محافظي إيران لا يعجبهم تفرد الولايات المتحدة بشؤون المنطقة.
وبين محافظي أميركا الجدد ومحافظي إيران الجدد تقع دول منطقة الخليج العربي التي أصبحت تواجه معضلة كبيرة بين طرف أميركي تلتزم الدول الخليجية معه، ومنذ فترة ليست بقصيرة، بتعاون أمني كبير، وبين جار قوي وقادر على الهيمنة.
فدول الخليج في حيرة من أمرها تجاه وضع غاية في الحساسية ترفع من خلاله الولايات المتحدة راية الحرب فتجيبها إيران بالتوعد بعمليات رد انتقامية ضد المصالح الأميركية في المنطقة.
بالطبع ردة فعل دول الخليج لا بد أن تبنى على أساس منطقي وحكيم يدفع بلاء الطرفين عن المنطقة، لذلك لم تتوان دول المنطقة في البحث عن هكذا وسيلة ومنها إعلانها أنها لا تؤيد قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربات عسكرية لإيران وأنها لن تسمح لأراضيها بأن تستخدم في هذا المجال إذا ما أصرت الولايات المتحدة على القيام بفعلتها.
وهذا أمر إيجابي ولكنه قد لا يكفي، صحيح أن الولايات المتحدة قد لا تستخدم دول المنطقة الخليجية في توجيه ضربة عسكرية مباشرة إلى إيران لكن الأسئلة قد تثار عن قيام مثل هذه القوات المتواجدة على أراضي بعض الدول الخليجية بتقديم الدعم اللوجستي لسلاح الطيران أو البحرية الأميركية التي ستتولى عملية توجيه الضربة العسكرية للأراضي الإيرانية.
لذلك فقد لا يكون كافيا الإعلان عن عدم رغبة الدول الخليجية في قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية للأراضي الإيرانية ولا عن الإعلان عن عدم رغبتها في استخدام أراضيها في مثل تلك العمليات. مصلحة الخليج الأساسية تتمثل في منع نشوب حرب جديدة في المنطقة يقودها الطرفان ضد بعضهم البعض وتؤدي إلى تهديد أمن المنطقة ونزف قدراتها القائمة.
لذلك أحسنت دول الخليج العربية فعلا عندما قامت بالإعلان عن مبادرتها الخاصة بالدعوة إلى قيام طرف ثالث محايد يتولى عملية إدارة تخصيب اليورانيوم لدول منطقة الشرق الأوسط الراغبة في تطوير قدرات نووية للأغراض السلمية بحيث يقوم هذا الطرف بتمويل هذه الدول بالكميات المخصبة من اليورانيوم التي تحتاجه كل دولة وبكميات لا تجعل تلك الدول تتوسع في عملها نحو إدخال التخصيب في مجالات غير سلمية.
مبادرة كهذه تعطي انطباعا للجميع بأن تجنيب المنطقة ويلات الحروب هو الأهم في الفترة القادمة من أي هدف آخر. ولعل الكرة قد رميت في ملعب الطرف الإيراني ليبدي حسن نيته قدر ما أبدت دول الخليج العربية حسن نيتها.
لكن وللأسف الشديد الإيرانيون لم يعيروا هذه المبادرة أهمية رغم قوتها تماما كما فعلوا مع المبادرة الروسية السابقة والقاضية بقيام روسيا بتخصيب اليورانيوم للإيرانيين على أراضيها، متمسكين بحق إيران في تخصيب اليورانيوم على أرضها.
محافظو إيران يعتقدون بأن الفرصة سانحة أمامهم اليوم لتحقيق النصر ضد الولايات المتحدة التي يعتبرونها دولة مهزومة بفضل فشلها في العراق وتردي وضعها في أفغانستان وعجزها عن مساعدة إسرائيل على تحقيق النصر ضد حركات المقاومة كحزب الله وحركة حماس؛
وبالتالي فإنهم يعتقدون أنهم في مقعد القيادة التي يجب أن لا يتنازلوا عنه للولايات المتحدة وأن الظروف تسير لصالحهم، وعليه لا تنازلات في مجال الطاقة النووية باعتباره حقا لإيران في سبيل تطوير قدراتها التكنولوجية والعلمية.
من جهتم فإن محافظي الولايات المتحدة يعتقدون بأن فشلهم في العراق يعود بشكل أساسي إلى التوغل الإيراني هناك وأن النظام السياسي الإيراني لا بد أن يتم تغيره لصالح نظام أكثر اعتدالا ومسؤولية؛ وعليه يعتبرون أنه لا تراجع عن خططهم أبدا في التهديد بتوجيه ضربتهم العسكرية لهكذا نظام
لاسيما وأن المحافظين الأميركيين الجدد قد شموا رائحة اختلافات واسعة قائمة في المجتمع الإيراني ويحاولون بالضغط وفرض العقوبات الشديدة والتهديد خلق الضغط الداخلي على المتشددين من قبل المعتدلين حتى يتم الإطاحة بهم وقدوم من هو أكثر اعتدالا ومتقبلا لفكرة التعاون في مجال برنامج إيران النووي وعدم إثارة المشاكل للمخطط الأميركي في المنطقة.
فكل طرف متمسك برؤيته المختلفة عن الآخر بل والساعية إلى الإضرار بالآخر مما يعني بأن المنطقة متجهة في ظل هكذا ظروف إلى مرحلة خطيرة شعارها المواجهة الخطرة بين محافظي الولايات المتحدة ومحافظي إيران.
الحقيقة هي أن منطقتنا الخليجية ليست بحاجة لمثل هكذا تجاذبات بين كبيرين يحاولان تصفية حساباتهما في منطقة واعدة بالنمو والازدهار. فإذا كان لمحافظي إيران مشاكلهم مع محافظي أميركا الجدد فعليهم أن يحلوا تلك المشاكل خارج منطقتنا الخليجية.
على محافظي إيران أن يعلموا بأن الوجود الأميركي في منطقة الخليج سابق على قدوم المحافظين الجدد في أميركا وهو ليس موجها أساسا ضد إيران. فالقوات الأميركية جاءت إلى المنطقة لمواجهة بطش نظام صدام حسين،
وأن وجودها في بعض الدول الخليجية ليس موجها ضد إيران بل هو للمساعدة في حماية دول صغيرة الحجم لكنها كبيرة في عطائها للاقتصاد العالمي؛ وعليهم كذلك أن يدركوا أن أمن واستقرار هذه المنطقة يجب أن يعطى أولوية فوق كل الاعتبارات الأخرى حتى ولو كانت الحق في امتلاك القدرات النووية السلمية.
وعلى محافظي أميركا الجدد أن يدركوا من جانبهم أن إيران جزء من منطقة جغرافية غاية في الأهمية ولا يمكن لأحد أن يتلاعب بها كما تشاء له أهواؤه، فالطرق السلمية هي الأجدى لحل خلافات هذه المنطقة كي لا يتكرر لنا شبح العراق مجددا في بلد مجاور أخر.
جامعة الإمارات