في عام 1974 تبنت مصر وإيران مشروعاً للجمعية العامة للأمم المتحدة «لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية» وصدر القرار الدولي بالموافقة على هذا المشروع، ومنذ ذلك التاريخ تقر الأمم المتحدة هذا القرار سنوياً في كل دوراتها السنوية التالية بشبه الإجماع بينما تعارضه دولتان هما إسرائيل وأميركا دون خجل أو حياء!

ويقضى القرار بـ «إنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط، ووضع كافة المنشآت النووية في دول المنطقة تحت نظام الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والإعلان الشامل من دول المنطقة عن التخلي النهائي عن تطوير أو تصنيع الأسلحة النووية».

وفى المؤتمر السنوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية تتقدم مصر إحدى الدول المؤسسة للوكالة عام 1957 بمشروع قرار يصدر كل عام بصيغة عمومية يدعو لتطبيق ضمانات الوكالة موضع التنفيذ في الشرق الأوسط يتم تمريره بالتوافق كل عام،

لكن الجديد هذا العام أن مصر عدلت صياغة مشروع القرار مطالبة بتوازن الضمانات الأمنية بين جميع دول المنطقة دون تمييز أو استثناء لدولة بعينها، ورغم عدم ذكر إسرائيل بالاسم إلا أن أميركا اعترضت، بينما امتنعت دول الاتحاد الأوروبي عدا أيرلندا والنمسا عن التصويت لصالح القرار الذي هو صلب معاهدة منع الانتشار، فيما يشنون الحملات ويفرضون العقوبات على دول بعينها بحجة منع الانتشار؟!!

ومنذ عام 1980 وفى كل عام تقريباً تصوت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتأييد على مشروع القرار المصري الذي يحمل عنواناً واحداً هو «خطر الانتشار النووي في الشرق الأوسط»، وهو مشروع القرار نفسه الذي كان العراق قد تقدم به إلى الأمم المتحدة عام 1979تحت عنوان «خطر التسلح النووي الإسرائيلي على الشرق الأوسط».

.. ورغم مرور كل هذه الأعوام لم يستطع العالم أن يقنع إسرائيل أو يفرض عليها التوقيع على المعاهدة الدولية لمنع الانتشار وقبولها وضع منشآتها النووية للرقابة الدولية في إطار نظام الضمانات الأمنية للوكالة مثل سائر الدول العربية بالإضافة لإيران، بسبب الدعم الأميركي والأوروبي الكامل لجعل إسرائيل فوق القانون الدولي!!

وبينما وقعت على المعاهدة جميع دول المنطقة التي لا تملك رؤوساً نووية أو برامج عسكرية نووية أو حتى سلمية، يبدو الأمر مغايراً بالنسبة لإسرائيل التي «تملك في حوزتها، وبشهادة الخبراء الدوليين، ما لا يقل عن 240 رأساً نووياً.

مثلما يقول «يفجيني بريماكوف» رئيس الوزراء الروسي الأسبق في مقال منشور على موقع مركز الدراسات الدولية، موضحاً أن إسرائيل أنتجت البلوتونيوم المسلح لهذه الرؤوس، في المفاعلين الإسرائيليين في «ديمونة» و«سوريك». غير الخاضعين للرقابة الدولية!

وبالمناسبة، ففي الزيارة التي قام بها الدكتور محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإسرائيل في محاولة منه لإقناع شارون بالانضمام للمعاهدة، لم يسمح له بدخول أي منهما ولو من باب الحرص على تبديد المخاوف لدى دول المنطقة الذي يهددها وجود هذا السلاح، بحجة أن إسرائيل لم توقع على المعاهدة، ولا تخضع للإشراف القانوني للوكالة الدولية!

بينما كشف «فانونو»، عالم الذرة الإسرائيلي للعالم أسرار إسرائيل النووية، وقضى جراء ذلك 18 سنة في السجون الإسرائيلية «ان مخاوفه بدأت تتزايد حين أدرك حجم الكميات التي تنتجها إسرائيل من الأسلحة النووية»!!

ومع كل ذلك ومع وضوح حسن النوايا لدى دول المنطقة وثبوت خلو برامجها من الاستخدام غير السلمي بشهادة الوكالة الدولية للطاقة فيما تثيره إسرائيل وأميركا والدول الأوروبية بقيادة فرنسا، عدا إيطاليا وأيرلندا، ومع ثبوت امتلاك إسرائيل للسلاح النووي بشهادة خبرائها واعتراف رئيس وزرائها في ألمانيا..

تشن هذه الدول الحملة الشعواء على الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعلى مديرها المحترم وعلى الدول العربية والإسلامية فقط التي لديها برامج سلمية، بنفاق مكشوف وبغياب لأي أدلة على ما يزعمون، وبدون أي منطق قانوني أو عقلاني لما يتخذون من مواقف بانتقائية ومعايير مزدوجة تنظر للبرامج العسكرية النووية لإسرائيل بعين واحدة هي عين الرضا ولكنها عن العدالة الدولية مغمضة!

mamdoh77t@hotmail.com