«ضربني وبكى سبقني واشتكى». مثل شائع عملت منه إسرائيل مهنة. احترفت العمل به وبصفاقة. في سعيها لاستدرار التعاطف ولتمهيد الأجواء لاعتداءاتها وانتهاكاتها، دأبت باستمرار على تصوير الصراع في المنطقة وفق معادلة؛ تأخذ هي فيها موقع الحَمَل وجيرانها موقع الذئب. ونجحت إلى حدّ بعيد في الترويج لها. خاصة في الغرب.
وعلى هذا نهض خطابها المزوّر. على أساسه ذهبت إلى حدّ إعطاء نفسها الحق، بل الوصاية، في تحديد ما هو خير وما هو شرّ؛ ما هو مسموح به وما هو ممنوع في المنطقة! آخر نماذج هذا التزييف كان في كلام وزير الشؤون الاستراتيجية اليميني المتطرف، أفيغدور ليبرمان.
فقد زعم أنه «إذا بدأت مصر والسعودية برنامجاً نووياً، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى سيناريو كارثة رهيبة بالنسبة لنا»! وأضاف: «إن نواياهما يجب أن تؤخذ على محمل الجدّ وتحضير العالم لما ستفعلانه». علماً بأن مصر أعلنت، أواخر أكتوبر الماضي، عن استئناف العمل بخطة مجمدة منذ عقدين؛ لامتلاك محطات نووية مدنية.
ومثلها كان مجلس التعاون الخليجي ودول عربية أخرى، قد أعلنت عن عزمها الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض المدنية؛ نظراً لانخفاض كلفتها وأيضاً لما توفره من إيجابيات بيئية مطلوبة. وهي مشاريع ستكون تحت مظلة وكالة الطاقة الدولية ومراقبتها.
لذلك وبسبب طبيعتها وسلمية أغراضها، فهي لم تلق غير التأييد والاستعداد للمساعدة؛ من جانب الدول المالكة للتكنولوجيا النووية. الشكوى (!) مع التهويل المبطن بالتهديد، تصدر فقط عن إسرائيل، التي تملك منذ أكثر من نصف قرن مفاعلات نووية للأغراض العسكرية، حيث تمتلك ترسانة مكونة من مئتي قنبلة نووية؛ مع صواريخها وغواصاتها الناقلة لرؤوس هذا السلاح.
ليس ذلك فحسب؛ بل إن تل أبيب رفضت، من خلال الاستقواء بالحماية الأميركية، الانضمام إلى اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية وبالتالي إخضاع مفاعل ديمونا وغيره من المنشآت النووية لمراقبة وكالة الطاقة الدولية.
إسرائيل تقيم الدنيا ولا تقعدها، في كل مرة تجري محاولة لفتح ملفها النووي. الحديث، خاصة الأميركي، عن مخاطر وشرور هذا السلاح المدمّر وضرورة التصدي له ولمنع انتشاره ـ وذلك ضرورة وحاجة ماسة تتصل بقضية السلم والأمن الدوليين ـ يتكرر ويطول، لكن ممنوعاً عليه حتى الإشارة إلى إسرائيل. لا من قريب ولا من بعيد.
الرسالة أن ما يجوز لإسرائيل لا يجوز لغيرها، هي صاحبة امتياز، غيرها في المنطقة لا يستحقه، حسب هذا المنطق، عبارة «نووي عربي» من المحرمات، حتى ولو كان نووياً على المكشوف وتحت الرقابة؛ التي ترفضها تل أبيب من حيث المبدأ.
الملف النووي بات أحد أشد ملفات المنطقة سخونة، من الأسباب التي ساهمت في حضوره وتأزيمه، كان غض النظر عن إسرائيل، بل مساعدتها على امتلاك السلاح النووي، مع الإصرار على ضمان احتكارها للقنبلة؛ في المنطقة،
واليوم هي لا تكتفي بهذه الوضعية الممتازة؛ بل إنها تجاهر بعدم قبولها لأي مشروع يتصل بالطاقة النووية المدنية، في دنيا العرب. صيف وشتاء على سطح واحد؛ عسفاً وعنوة. ولا يحدثونك عن نوايا إسرائيل ورغبتها في السلام!.
