الأيام القادمة حبلى بالأحداث، وربما بالمفاجآت على أكثر من صعيد، وفي أكثر من قضية مرتبطة بالقضية الأساس في هذه المنطقة المنكوبة من العالم.
الأجندة تخبرنا بأن هناك انتخابات رئاسية في لبنان، واجتماعاً «للسلام!» في أنابوليس، وقبل ذلك جولة جديدة لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في المنطقة لمتابعة هذين الملفين، دون أن ننسى العراق والملف النووي الإيراني وغير ذلك.
وسط كل هذه الملفات تنشط الاتصالات والمشاورات على ضفتي الأطلسي وفي المنطقة على حد سواء، فتتحول الانتخابات الرئاسية اللبنانية إلى قضية دولية كبرى، ويصبح أي لقاء بين مسؤول إسرائيلي وآخر فلسطيني، بازاراً مفتوحاً يحق للآخرين أن يكونوا أصحاب الحل والربط في قضية شائكة يكون فيها أصحابها أكبر الغائبين.
أين الخلل في المعادلة؟ وكيف يمكن الوصول إلى الحل الصحيح؟.
في الملف اللبناني نجد ازدياد التدخلات الخارجية التي أدت وتؤدي إلى تعقيد الأوضاع ورفع حالة التوتر، والأغرب أن يشتكي المتدخلون في الشأن اللبناني من تدخلات سورية مزعومة فيه.
ولأن الأمر بهذه البساطة والوضوح، كانت سورية أعلنت ـ وتعلن كل يوم ـ أنها لا تتدخل في الملف اللبناني من قريب ولا من بعيد، وأن ليس لها أي صفات أو شروط يجب أن تتوافر في شخص الرئيس القادم للبنان، وأن هذا الملف شأن لبناني بحت يجب أن يبت به اللبنانيون أنفسهم.
سورية تريد مرشحاً توافقياً، وانتخابات تستند إلى الدستور اللبناني ولا تخرقه، وهناك دول كبرى كفرنسا على سبيل المثال، لها الموقف ذاته بينما نجد أن إدارة بوش تريد مرشحاً بمواصفات خاصة ومن فريق محدد، وإلاّ!!
هل يمكن لإدارة الرئيس بوش أن تقف على الحياد في هذه القضية وتترك اللبنانيين وشأنهم يختارون من يرونه مناسباً لمنصب الرئيس؟
وهل تملك هذه الإدارة الجرأة لتقول لنا إنها حريصة فعلاً على تمكين اللبنانيين من تجاوز هذا الاستحقاق دون تدخلات وتهديدات وإنذارات وعقوبات لكل من «تسول له نفسه» أن يعارض المرشح الأميركي؟!
من المفترض أن يتمتع المرشح للرئاسة بأكبر قاعدة وفاقية لا أن يكون من فريق ضد فريق، وإلاّ فإن المصيبة التي تنتظر اللبنانيين والمنطقة كبيرة.
ونرجو أن تدرك إدارة بوش أي خطأ ترتكبه عندما تحاول فرض مرشح محدد على اللبنانيين, الأمر الذي سيخلق وضعاً صعباً ويعزز الانقسامات الداخلية ويدفع نحو توتير الأجواء وربما التقسيم.
هنا يبرز الخلل الأول الذي تضيفه الإدارة الأميركية إلى سجلها من خلق الإرباكات والفوضى في المنطقة، أما في عملية السلام كلها، فالخلل واضح أكثر، أو ربما بالمستوى نفسه، إذ تدعو هذه الإدارة إلى مؤتمر تحت الأضواء الكاشفة وعدسات المصورين و.. تحت شعار براق أكثر هو «السلام» فهل تتجه هذه الإدارة نحو تحقيق السلام فعلاً؟
كيف يمكن تصوير اجتماع تغيب عنه سورية ولبنان على أنه اجتماع سلام؟ وهل المعلومات المتسربة عن نية إدارة بوش لاحقاً في فتح ملف الجولان تبدو مقنعة؟ ولماذا لا يفتح هذا الملف ويناقش الآن مادامت هذه الإدارة تدعي انها ستعمل من أجل السلام؟!
يقال إن إدارة بوش تبحث عن صيغة أو وصفة سحرية تجعل سورية تشارك في اجتماع أنابوليس، ربما بالسماح لها ـ تصوروا ـ بأن تتحدث عن الجولان دون أن يكون كلامها ملزماً بالبحث عن حلول أو تسويات لهذه القضية.
كل هذا الكلام مضيعة للجهد والوقت معاً، ولو كانت هذه الإدارة صادقة فيما تعلنه، لكان بإمكانها أن تتابع ما بدأته إدارتا جورج بوش الأب وبيل كلينتون في رعاية عملية السلام وإيصال مركب السلام إلى شواطئ الأمان، وهذه مهمة ليست مستحيلة فيما لو توافرت الإرادة.. ولكننا نظن أن هذه الإرادة غير موجودة مطلقا،ً نرجو أن نكون مخطئين، فلو كنا على خطأ فعلاً فإن السلام سيتحقق خلال أشهر معدودات فقط.
