يتواصل الصعود الصاروخي لأسعار النفط وتتواصل معها موجات القلق العميقة التي تغشى كل البلدان غير المنتجة لهذه المادة الأساسية وخصوصا منها بلدان العالم الثالث وتحديدا وعلى وجه الخصوص البلدان الصاعدة أي تلك التي استطاعت خلال العقدين الفارطين أن تهيكل اقتصادها بطريقة عصرية وناجعة.

ويتضاعف قلق هذه البلدان بالتحديد نظرا للجهد الكبير الذي بذلته للعصرنة، ونظرا للآفاق التي فُتحت أمامها بعد أن استطاعت التكيف مع ضرورات الاقتصاد العالمي الجديد، لكن تلك الآفاق ستضيف حقا فيما لو واصلت أسعار النفط صعودها أو حتى هي استقرت في لسعر الحالي، فالكلفة عالية جدا والاستحقاق باهظ بالنسبة للحاضر والمستقبل لما يحدثه من ارتباك على مستوى ما تم التخطيط له سواء من أهداف أو من أرصدة جعلت لتمويل تلك الأهداف.

وبالتالي فإنه ليس أمام هذه الدول الا التعويل على الذات عبر إدارة شأنها «الطاقي» بطريقة جديدة تخفف من الوطأة الثقيلة لكنها لا تلغيها وتقلل الخسائر التي لا مناص منها في كل الحالات، فهي من تحصيل الحاصل وهي قدر محتوم.

وما يؤسف له حقا في هذا الصدد هو أننا لم نر عربيا ما يمكن ان يدلل على أدنى تضامن في هذا المجال، ففي حين تنتفخ أرصدة البلدان المنتجة للبترول وتتراكم ثرواتها النقدية تضمر أرصدة بلدان أخرى وتضعف قدراتها.

مع أنه كان ممكنا بل كان واجبا أيضا أن تعتمد البلدان الاولى سياسة الاسعار التفاضلية مع البلدان الثانية لتدرأ عنها من المشاكل المحلية ما سيقود بتراكمه الى مشاكل قومية بالتأكيد.

هذا بالاضافة الى ما سيقود له ذات الأمر، من تباعد سياسي في التوجهات بين النوعية الاولى من البلدان والنوعية الثانية. وهذا التباعد السياسي سيجد ترجمته بلا شكّ في انخرام جديد داخل ما يسمى بالنظام الرسمي العربي وبالتالي فإنه سيؤثّر على كل القرارات السياسية التي ستتطلب موقفا جماعيا في المستقبل هذا اذا لم يكن سببا في الغائها من الأصل.

ذلك أن البلدان غير المنتجة للبترول ستعمد الى البحث تحت ضغط الحاجة على حلفاء جدد وستعمد الى ارساء سياسة خارجية قد لا تروق وقد لا تتناغم مع سياسة عدد كبير من البلدان البترولية التي أمامها هي أيضا استحقاقات كثيرة.