لم يعد قطع ضفتي بحر المانش بين انجلترا وفرنسا يتطلب عضلات مفتولة للسباحة أو مراكب لعبور البحر، فقد أصبح هناك أكثر من 7 ملايين شخص يقطعون القناة الانجليزية سنويا وهم نيام في مقطوراتهم يصلون الى مدينة لندن او باريس في نحو الساعتين وربع الساعة لمسافة تبلغ 110 كيلومترات. انه مشروع نفق اليورو، هذا المشروع الطموح الذي يربط انجلترا بالقارة الأوروبية وينافس شركات الطيران والملاحة عبر البلدين.
النفق الذي بدأت أعماله عام 1994 بتكلفة بلغت 10 مليارات جنيه إسترليني عبارة عن سكة حديد باتجاهين (بطول 50 كيلومترا وبعمق 7 .45- 60 مترا).
على ما يبدو أهداف بناء النفق الذي راود الانجليز والفرنسيين منذ زمن بعيد تتعدى المفهوم التجاري القصير الأمد، فبالإضافة الى كون بنائه يشكل بعدا سياسيا وتحديا هندسيا إذ يعتبر حاليا بحسب جمعية المهندسين المدنيين الأميركيين إحدى العجائب السبع في العالم الحديث، فانه يوافق واقع نقص مصادر الطاقة في القارة الأوروبية.
النفق الى اليوم ما زال يعمل بخسارة وديون، فكلفته مرتفعة وخدماته متدنية المستوى مقارنة بالطائرات ونسبة الاستخدام من الركاب والشحن ما زالت دون التوقعات الأولية بكثير، لكن الأمور قد تختلف مستقبلا في حال تغيرت الظروف العالمية وارتفعت أسعار الوقود بشكل كبير!
جاء مشروع نفق اليورو في الوقت الذي كانت فيه مشاريع سكك الحديد قد تقلصت كثيرا منذ الحرب العالمية. ولا شك كان لاختراع السيارات ووسائل النقل البحرية والجوية الأخرى دور هام في ذلك، كما كان قد انتهى العصر الذهبي لبناء سكك الحديد واكتملت أسسه في العالم المتقدم.
واليوم على الرغم من العدد المحدود لمشاريع سكك الحديد حول العالم، إلا أنها ما زالت مطلوبة في إطار تحقيق المزيد من النمو الاقتصادي وتقليص التكلفة وزيادة المنافسة، وهناك مشاريع مشتركة ألمانية - فرنسية لقطارات سريعة تطرح حاليا يتوقع ان تنقل عبرها 25 مليون راكب في عام 2010.
كما يطرح على بساط البحث إعادة بعث طريق الحرير القديم رغم الصعوبات السياسية التي تعترضه نظرا للمسافات الشاسعة التي سيقطعها، بالإضافة الى مشاريع إحياء سكك حديدية في افريقيا وأميركا اللاتينية في إطار تمويل مشترك مع شركات غربية.
لقد تم بناء السكك الحديدية فيما مضى لخدمة هدف محدد اختلف من مكان الى آخر. لكن منافع سكك الحديد من ناحية السرعة والقدرة والاقتصاد شكلت وسيلة مهمة للتطور الصناعي في أوروبا عموما.
وساهم القطار في فتح الغرب الأميركي وايجاد أسواق ومدن لم تكن موجودة سابقا، عوضا عن إحداثه طلبا على الرساميل والعمالة والأراضي في ظل الزيادة الكبيرة في أعداد المهاجرين.
واليوم عندما يجري طرح مشروع سكك حديد عربية في المنطقة كوسيلة من وسائل التكامل الاقتصادي العربي، فهل بإمكان هذا المشروع تحقيق ولو بعض مما استطاعت دول أخرى ان تحققه في ظروف أخرى؟
سوف تناقش القمة الاقتصادية العربية المقبلة في الكويت نهاية العام 2008 الى جانب معالجة المشاكل الروتينية لإقامة منطقة التجارة الحرة العربية، مئتي مشروع معظمها يتعلق بالبنية التحتية للربط بين الدول بما في ذلك إقامة سكك حديد عربية. واليوم هناك مشروع اتفاقية سكك حديد دولية لتطوير نظام نقل متكامل في المشرق العربي تقوم به إحدى منظمات الأمم المتحدة.
ورغم وجهة النظر التي تميل الى القول ان الطرقات البرية في الدول العربية جيدة وليس ثمة مشكلة في تأمين الوقود وأساطيل الشاحنات متوفرة، كما ان بناء سكك حديد مكلف ومنخفض العوائد كمشروع تجاري، هناك وجهة نظر أخرى تقول ان الدول التي أكملت سكك الحديد لديها كان لهذه السكك دور مهم في نشوء سوق سلع متكاملة وتشجيع الصناعة وتقليص فترة انتقال السلع وتكلفتها وبالتالي تحسين مستوى التجارة البينية والاستثمارات، حتى أن البعض يؤكد على أن دور السكك الحديدية قد يكون أقوى وأعمق على هذا المستوى من تحرير القيود التعريفية.
وبالتالي فإن الأمر يتعلق بما يراد من هذا المشروع؟ ان مشاريع سكك حديد تتطلب أرضا مفتوحة، وإذا ما لم يتم تسهيل إجراءات الانتقال عبر الحدود للركاب والبضائع وتسهيل إجراءات العبور، فإن منافع سكك الحديد تتقلص الى حد بعيد في حين ترتفع كلفتها؟
وإذا كان نفق اليورو يعاني من مشاكل خدماتية فنية، فإن مشروع السكك الحديدية في المنطقة العربية يواجه أمورا أكثر تعقيدا تتعلق بالقرار السياسي الجدي تجاه التكامل الاقتصادي والسوق العربية المشتركة، لتحقيق نقلة نوعية بدلا من السير كالسلحفاة؟