قد يصح اعتقاد العديد من المراقبين أن الرئيس الأميركي بوش قد بدأت تطارده إخفاقات على صعيد السياسة الداخلية وأخرى في مجال السياسة الخارجية، تؤدي عمليا إلى تقلص منطقة النفوذ الأميركي على الساحة العالمية. إذ كانت بداية التعثر لشكل علني، حينما شكر بوش الرئيس الكوري الجنوبي على مساعدته في إشاعة الديمقراطية في الشرق الأوسط.
وتبين أن كوريا الجنوبية تخالف هذا الرأي، وأعلنت وزارة الدفاع الكورية نيتها مطالبة البرلمان باستدعاء ثلث القوات الكورية الجنوبية الموجودة في العراق والتي تضم 3200 جندي.
وقد كشف الكاتب الأميركي بوب وودوارد في كتابه (حالة إنكار) كيف ضلل بوش الشعب الأميركي حول تردي الأوضاع في العراق، خاصة بعد أن فشلت سياسات إدارة بوش في تبرير التكلفة البشرية والمالية الباهظة التي دفعها الشعب الأميركي في حرب لم تحقق حتى الآن الأهداف المعلنة، ما آثار الرأي العام في الولايات المتحدة، بل ودفع البيت الأبيض لمنع نشر كتاب جورج تينيت المدير السابق لوكالة المخابرات الأميركية (في قلب العاصفة) حول الإعداد للحرب ضد العراق، لم تضمنه الكتاب من إسرار تدين سياسة الإدارة الأميركية.
وقد فجر خطاب بوش الأخير أزمة جديدة، وهى أن الإدارة الأميركية ليست لديها استراتيجية محددة للخروج من العراق وإنهاء ملف الحرب، ما يعني ان خطة واشنطن تقود إلى الاستسلام لحالة الفوضى المسيطرة على الأوضاع في العراق، باعتبار أن القوات الأميركية ليست قادرة على ضبط الأوضاع الأمنية وإحلال الاستقرار والأمان في البلاد، بل إنها فقدت القدرة على التأثير على مسارات العملية السياسية بشكل كامل.
وقد أصبحت إدارة بوش في موضع اتهام بالفشل ليس فقط بسبب التكاليف البشرية والمالية الباهظة التي دفعها الشعب الأميركي، وإنما أيضا لأنها لم تتمكن حتى الآن من تمرير قانون النفط الذي يحقق مصالح شركات النفط الأميركية-على سبيل المثال لا الحصر.
ويبدو واضحا أن بوش لن يتمكن من إنهاء حملته أو مهمته المقدسة في العراق، وانه سيترك ملفا ثقيلا لمن سيخلفه، ولا يستطيع أحد التنبؤ كيف سيتمكن الرئيس الأميركي القادم من إغلاق ملف الحرب في العراق.
ولم تجد إدارة بوش سبيلا في التعامل مع أزمة كوريا الشمالية، سوى التفاوض والموافقة على مطالب بيونغ يانغ. بعد أن كانت تضع خططا لاستخدام القوة ضد الدول التي اعتبرتها ضمن محور الشر.
ولم يقتصر المأزق الأميركي على ملفات دول محور الشر، وإنما اتسعت أزمة سياسات واشنطن لتشمل بدايات فشل مشروعاتها الخاصة بالثورات البرتقالية. وقد جاء انفجار الأزمة السياسية في جورجيا وأوكرانيا، ليزيد من وضعها سوءا، حيث يواجه الرئيس الجورجي ساكاشفيلي معارضة حادة تطالب بإسقاطه قبل انتهاء فترته الرئاسية الأولى.
فقد تحرك عشرات الآلاف من الجورجيين في العاصمة تبليسي في مظاهرات غاضبة تطالب باستقالة الرئيس الحالي ميخائيل ساكاشفيلي، وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، وتحويل نظام الحكم في البلاد من جمهورية رئاسية إلى جمهورية برلمانية، باعتبار أنه على مدار أكثر من 15 عاماً فشل رؤساء جورجيا ليس فقط في النهوض بالبلاد، بل أيضا في تحقيق الحد الأدنى من الوعود التي وعدوا بها، وأصبح الاقتصاد الجورجي شبه منهار.
كذلك العلاقات السيئة مع روسيا أصبحت تهدد جورجيا بانقطاع مصادر الطاقة وغلق الأسواق الروسية في وجه المنتجات الجورجية التي لا تجد لها منافذ أخرى، إذ تعتمد التجارة الخارجية الجورجية بنسبة لا تقل عن 80% على السوق الروسية وحدها.
ولا يمكن اعتبار الوضع في أوكرانيا أفضل، حيث يواجه البرتقاليون شريكا في السلطة يرفض سياساتهم الموالية للغرب، ويطالب بعودة العلاقات الطيبة مع الجارة روسيا، هذا بالإضافة إلى فشل البرتقاليين في حل الأزمات الاقتصادية التي تجتاح البلاد، وتؤدي لانخفاض شعبيتهم في الشارع الأوكراني.
لذا يمكن الحديث عن تعديل في سياسات إدارة بوش وفق هذا المنظور، والذي يرصد تراجع خطط استخدام القوة بعد فشل الحملة العسكرية الأميركية في العراق. وهذا يعني أن الأزمة المثارة حول البرنامج النووي الإيراني مازالت أمام مفترق طرق، ويصعب الحديث عن إمكانية توجيه ضربات عسكرية ضد طهران، قبل الخروج من الأزمة العراقية. ويبدو أن إدارة بوش قد تراجعت عن استراتيجية الاستسلام أو الإسقاط بالقوة، واكتفت بالتهديد باستخدامها، ولجأت لطريق التفاوض التدريجي.
ولعلنا نلمس بوضوح هذا التوجه الجديد في سياسات واشنطن، وسيطرة منطق اللا حرب واللا سلم في كافة ملفات الشرق الأوسط (الأزمة الفلسطينية، سوريا، لبنان)، وهو ما يكشف عن أزمة هذه الإدارة التي أعلنت منذ بداية القرن الحالي عن نيتها على إعادة رسم ميزان القوى الدولي وفق نظرية العالم أحادي القطب بالقوة، وبدأت معركتها الأولى في أفغانستان، ثم واصلتها في العراق.
وقد وجهت ثماني شخصيات سياسية أميركية معروفة عبر وسائل الإعلام رسالة إلى بوش حذرته من مخاطر فشل اجتماع السلام الدولي المزمع عقده في مدينة انابوليس خلال الفترة المقبلة إذا تمسكت إدارة بوش بنهج إرضاء إسرائيل، واعتبر الموقعون أن السبيل لحل الأزمة الشرق أوسطية يكمن في قيام دولتين على أساس حدود الرابع من يونيو 1967، وأن تصبح القدس عاصمة للدولتين، وحل مشكلة اللاجئين. وتستمد الرسالة قوتها من أن الموقعين عليها.
ومنهم بريجنسكي مستشار الأمن القومي السابق، ولي هاملتون رئيس سابق للجنة العلاقات الدولية في الكونجرس، وسكوكروفت مستشار بوش الأب للأمن القومي هم من كهنة السياسة الخارجية الأميركية ومحسوبين على اليمين الأميركي، أي أنهم شهود من أهلها.
هذه التطورات تشير إلى أن أزمة سياسات إدارة بوش لم تعد في إطار تقييم السياسات الأميركية على الساحة الدولية، وإنما أصبحت موضع نقاش وخلاف في أوساط النخب السياسية الأميركية الحاكمة، ما يعني اعتراف منها بفشل سياسات بوش، وبتأثيراتها الضارة على المصالح الأميركية.
ويحلو للبعض أن يعتبر المخرج من أزمة واشنطن يكمن في إنهاء بوش لفترته الرئاسية الأخيرة قبل موعدها، إلا أن هذا المخرج غير واقعي، لأنه لا يراعي تفاقم التوتر الدولي من جهة، والأزمات الناجمة عن ذلك عالميا وفي داخل الولايات المتحدة. كما أن انتخاب رئيس أميركي جديد لن يكون كافيا ما لم تقتنع مؤسسات السلطة في الولايات المتحدة بأهمية التخلي عن نهج العالم أحادي القطب.
مركز دراسات الطاقة ــ روسيا