استفزت الزيارة التي قام بها مؤخراً الملك الاسباني خوان كارلوس وعقيلته الملكة صوفيا لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين مشاعر المغاربة ومعهم كل أبناء الوطن العربي وكل مناهض للاستعمار في كل مكان.

فرغم التحذيرات المغربية الرسمية والشعبية بعدم زيارة المدينتين اللتين تحتلهما القوات الاسبانية قبل أكثر من خمسة قرون الا أن العاهل الاسباني أصر على القيام بزيارة رسمية للمدينتين واللتين تتمتعان بالحكم الذاتي منذ بداية التسعينات من القرن الماضي.

وتاريخيا فان مدينة سبتة وصلها المسلمون عام 710 ميلادي بقيادة طارق بن زياد وكانت منطلقا للفتح الإسلامي لبلاد الأندلس «اسبانيا اليوم» عام 91 هجري وقد احتلها الأسبان عام 1668 حتى يومنا هذا ويصل عدد سكانها المغاربة نحو 70 الف شخص فيما يقدر عدد سكان مليلية بنحو 68 ألفاً وقد أسسها الأمير «مليل» عام 92 هجري ويحتلها الأسبان منذ العام 1497 أي بعد خمس سنوات فقط من خروج العرب من الأندلس.

«رب ضارة نافعة» فقد أيقظت الزيارة المشاعر المغربية الوطنية الكامنة منذ مدة طويلة ولعل آخرها كان في مثل هذه الأيام من شهر نوفمبر عام 1975 عندما دعا ملك المغرب الراحل الحسن الثاني للزحف نحو الصحراء الغربية والتي كانت تحتلها اسبانيا حيث توجه أكثر من 350 الف مغربي نحو الجنوب فيما عرف بـ «المسيرة الخضراء» ووصلوا الى العيون عاصمة ما كان يعرف أيضا بالساقية الحمراء ووادي الذهب وبذلك انتهى الاحتلال الاسباني هناك ولكن للأسف بدأت لحظتها ما أطلق عليه «المشكل الصحراوي» وكأن الاستعمار يأبى ان يرحل الا بعد ان يترك لنا مصيبة يصعب حلها .

ونعتقد ان مشكلة سبتة ومليلية بحاجة أيضا لمسيرة خضراء جديدة وانتفاضة شعبية تزيل آخر حصون الاستعمار في المغرب وأفريقيا عامة . ويبدو ان الأمور مرشحة لعمل شعبي مدعوم بالعمل الشعبي لإنهاء الاحتلال الاسباني الذي طال كثيرا للمدينتين إزاء الإصرار الاسباني على رفض الانسحاب منهما وإعادتهما للوطن الأم .

ولحظة وصول الملك خوان كارلوس لمدينة مليلية فقد وصل آلاف المغاربة الى باب المدينة وحاولوا اقتحامها في مظاهرات شعبية عارمة تصدى لها رجال الشرطة الأسبان بكل وحشية واعتقلوا البرلماني المغربي يحيى يحيى ونزعوا منه العلم المغربي الذي كان يحمله رغم انه يحمل الجنسيتين الاسبانية والمغربية ويشغل منصب رئيس مجموعة الصداقة بين مجلسي الشيوخ الاسباني ومجلس المستشارين المغربي.

وقد تعرض يحيى للشتم والتحقير كمغربي بالفاظ عنصرية وقد وصف يحيى زيارة كارلوس للمدينتين بأنها «تشكل اهانة لكل المغاربة ولا يجب قبولها ».

وعلى الصعيد الرسمي فقد رفضت المغرب الزيارة وتعبيرا عن احتجاجها فقد استدعت سفيرها في العاصمة الاسبانية مدريد وعبر الملك محمد السادس العاهل المغربي عن استنكاره للزيارة فيما دعا رئيس الوزراء عباس الفاسي اسبانيا للدخول في مفاوضات رسمية لحل الخلاف بينهما بالطرق السلمية وأعلن عن مشروع حل ستتقدم به بلاده يمهد لعودة المدينتين للسيادة المغربية وأحضان الوطن الأم.

وعبر الفاسي عن غضبه من الموقف الاسباني بقوله (ان اسبانيا هي اليوم مع «إسرائيل» البلد الوحيد الذي لا يزال يرفض طي صفحة الاحتلال فالمخرج الوحيد للحفاظ على الصداقة بين المغرب واسبانيا وصون السلام في حوض المتوسط يتمثل بأن يقوم الجار الاسباني بجهد أخير من أجل فتح مفاوضات مع المغرب).

ان المنطق الاسباني برفض التخلي عن المدينتين والإصرار على اعتبارهما اسبانيتين لا يغير من عروبة ومغربية المدينتين شيئا فكلام وزير الداخلية الاسباني ومحاولته التقليل مما أثارته الزيارة من مشاكل وتحد لمشاعر المغاربة لن يحل المشكلة بل يزيدها تعقيدا ، فالمغاربة لن يسكتوا طويلا على هذا الوضع الشاذ للمدينتين وقد آن الأوان لاستعادتهما.

خصوصا وان الموقف الشعبي يتطابق مع الموقف الرسمي كما وان هناك بعض الدعم العربي للموقف المغربي - ولو انه ما زال في بداياته - اذ أعلن محمد جاسم الصقر رئيس البرلمان العربي عن رفضه لزيارة الملك الاسباني للمدينتين ووصفها بأنها مستفزة وتمس وحدة التراب المغربي وقد ناشد الصقر البرلمانات العربية والمؤسسات الرسمية العربية والأمم المتحدة للوقوف الى جانب المغرب في محاولتها لاستعادة المدينتين.

ولعل المقاطعة الرسمية والشعبية العربية للبضائع الاسبانية والتي نادى بها بعض المغاربة قد تؤتي ثمارها اذا ما أصرت اسبانيا على رفض مد يدها لليد المغربية الممدودة لتسوية النزاع وإنهاء احتلال المدينتين والا فان الأمر بحاجة لمسيرة خضراء أخرى.

musaabueid@hotmail.com