دخل دونالد رامسفيلد البنتاجون للمرة الثانية مع الرئيس الأميركي جورج بوش واقترن اسمه بشن الولايات المتحدة حربين في وقت قصير في أفغانستان ثم العراق وما زالت قواتها فيهما حتى بعد أن غادر الوزير الصاخب المثير للجدل وزارة الدفاع في إجراء اعتبره البعض مشهد تضحية بكبش فداء صنعه ديك تشيتي ومهر جورج دبليو بوش بتوقيعه بينما دفع الثمن الأكبر لها وزير الدفاع رامسفيلد، غير أن الضجة الأخيرة التي أثارتها بعض المذكرات الداخلية التي كتبها وهو في الوزارة أعادته للضوء مرة أخرى وهو في هذه المرة أيضاً هدف لهجوم لا يقل شراسة عما تعرض له حال وجوده في البنتاجون، وكأنه قدر له أن يبقى في مهب العواصف حتى بعد أن ترك المنصب أو تركه المنصب.

جنرال التضحيات الكبيرة

كان أبرز ما ارتبط باسم رامسفيلد بمجرد توليه الوزارة قوله إن أميركا لا يجوز أن تنسحب من منطقة «كلما سال من أنفها الدم»، مطالبا بأن يتسم التدخل العسكري الأميركي بالقوة والاستمرار والاستعداد لتقديم تضحيات «كبيرة» وكان التدخل في العراق وأفغانستان أول فرصة لاختبار التغيرات الجديدة في الروح العسكرية الأميركية.

غير أن اسم رامسفيلد ارتبط بهذين الحدثين العسكريين اللذين أثارا الكثير من الجدل دوليا، ومؤخرا عاد اسمه ليعود موضوعا للجدل مرة أخرى على خلفية مذكرة رسمية وقعها حال وجوده في الوزارة ونشرتها الواشنطن بوست مؤخرا. وأصبحت موضوع نقاش وصلت شظاياه إلى البيت الأبيض.

ومن مذكرات رامسفيلد الداخلية لمعاونيه التي أثارت جدلا واحدة تدعو لتأكيد أن الشعب الأميركي محاصر بمتطرفين عنيفين، وأخرى تؤكد الحاجة إلى «الاستمرار في إبراز الخطر» و«الربط بين العراق وإيران» وثالثة تدعو إلى «إصدار بيانات وتصريحات جاذبة للانتباه».

غير أن أكثرها إثارة لردود الفعل المستنكرة مذكرة يقول فيها إن المسلمين يتجنبون «العمل البدني»، مضيفا أنه «غالبا ما يقف المسلمون ضد العمل الجسدي، ولهذا يجلبون الكوريين والباكستانيين، بينما يبقى شبابهم عاطلين عن العمل.

ومن السهل تجنيد السكان العاطلين عن العمل في النشاط المتطرف»، وقد علل ذلك بأن إن الثروة النفطية جعلت المسلمين خمولين وبالتالي أبعدتهم أحيانا «عن حقيقة العمل والجهد والاستثمار الذي يؤدي إلى الثروة في مكان آخر من العالم».

وقد شجب البيت الأبيض بشدة هذه المذكرة لأنها حسب مسؤول رسمي ظهرت في وقت «يتوجب علينا فيه أن نفعل الكثير من أجل الاستحواذ على القلوب والعقول في العالمين العربي والإسلامي».

الكلام ومعناه وقائله

أولى المشكلات التي يثيرها كلام رامسفيلد عن «المسلمين».. هكذا كل المسلمين بجرة قلم مشكلة التعميم، فحتى لو صح ما يقوله - وهو ما سنناقشه -فإن التعميم فيه يظل أمرا مرفوضا منطقيا فليست كل دول العالم الإسلامي نفطية ولا حتى معظمها، ووجود العمالة الأجنبية في بعضها ليس سببه الوحيد الوفرة بل أيضاً قلة عدد السكان وهو من العوامل التي يصعب تغييرها تغييرا جذريا على المدى القصير، بالضبط مثل زيادة السكان، فإذا كان جائزا انتقاد دولة لأن عدد سكانها أكبر من قدراتها الاقتصادية يجوز انتقاد أخرى بسبب قلة سكانها!

من ناحية أخرى فإن هذا الكلام يمكنك أن تجد شبيها له في كتابات مثقفين عرب كثيرين تناولوا دول النفط وثروتهم بكل النعوت السلبية في كتابات أكثر قسوة، الكثير جدا منها هجائيات سياسية ومغرضة والقليل جدا منها تحليلات تتصف بالموضوعية وقد تكون دقتها موضع نقاش، لكن هذا السيل من الكتابات لا يثير الحساسية نفسها التي تثيرها مذكرات رسمية متداولة في البنتاجون، فهل هو غضب بسبب معنى الكلام أم بسبب قائله؟

وفي تقديري أن دول النفط تجاوزت إلى حد كبير الحساسية من انتقادها في مثل هذه القضايا بل إن هناك جهودا حقيقية تبذل لـ «توطين» الوظائف وإعادة هيكلة الاقتصاد على نحو أكثر تنوعا، وهو اعتراف شجاع منهم بأن هناك خللا يحتاج العلاج، لكن الجنرال يتحدث عن موقف مبدئي أعتقد أنه لا مكان له في الواقع.

ويبقى أن الأهم أنه جرد من يتحدث عنهم من أية صفات أخرى سوى أنهم «مسلمون»، وكأن المشكلة دينية، فهم مثلا ليسوا عربا بحكم اللغة التي يتكلمونها وليسوا خليجيين بحكم وجودهم في منطقة الخليج ولكنهم «مسلمون»، ما يعني بالتالي أن الإسلام يحتقر العمل البدني وهو أمر غير صحيح لا من ناحية النصوص الشرعية من القرآن والسنة ولا من ناحية سيرة الرسول نفسه، فمن أين جاء بهذه النتيجة التي تنطوي على تعميم كاسح، وإلى متى تظل العلاقات الدولية في أيدي صناع الصورة النمطية ومروجيها؟

قد يكون «الجنرال» غير مؤهل لأن يصدر مثل هذه الأحكام في مثل تلك المسائل الثقافية المعقدة لكنه قادر بحكم المنصب الرفيع الذي شغله على إثارة العواصف، ومن يغضب من مثل هذه العواصف ينبغي أن يذكر أن القائل عسكري بعيد عن الثقافة. وقد يكون من المهم فصل مثل هذه الواقعة عن سياق وقائع أخرى كالرسوم الدانماركية وتصريحات بابا الفاتيكان وغيرها من العواصف التي تهب من مكان أو آخر فالتعميم أو الصراع وثقافة التعميم متفشية في الطرفين.

كاتب مصري