نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قبل أشهر تقريرا حول رؤيتها لما ستكون عليه حالة العالم في أفق عام 2020. وأعدّ خبراء (مركز دراسات الأمن التابع للاتحاد الأوروبي) دراسة متكاملة تحت عنوان (العالم في عام 2025).

هذا ناهيك عن الكتب العديدة التي صدرت خلال العامين المنصرمين وجعلت من استقراء المستقبل موضوعا لها. ونذكر على سبيل المثال، وليس الحصر، كتابين ظهرا مؤخرا أحدهما تحت عنوان (تاريخ مختصر للمستقبل) والآخر: (تاريخ موجز للقرن الحادي والعشرين)؛ إلى جانب هذا كله انعقدت ندوات عديدة على مختلف المستويات حول محور (المستقبل)، وجميع أولئك الذين تعرضوا لمحاولة قراءة مستقبل العالم كرّسوا جزءا مهما من حديثهم لمنطقة الشرق الأوسط. فماذا قالوا؟

الخط الناظم لما وصلت إليه التوقعات حول منطقتنا هو إجماعها على الإغراق في التشاؤم. وهي تؤكد كلها على أن الشرق الأوسط سيبقى منطقة مواجهات وتمزق بسبب توترات سياسية وإثنية ضاربة الجذور قي عمق المجتمعات المعنية.

أما البؤر المشتعلة اليوم، خاصة في العراق وفلسطين، فإنها ليست مرشحة للخمود، بل ربما سوف تزداد اشتعالا. ويكاد يتردد باستمرار القول بإمكانية انهيارات ستعرفها أنظمة عديدة في الشرق الأوسط. فبالإضافة إلى ما تعرفه المنطقة من مواجهات، هناك ملفات جديدة مرشحة كي ( تولع ) وتهز الاستقرار الإقليمي أكثر فأكثر.

وتشير التوقعات المقدّمة أيضا إلى أخطار أخرى ذات طبيعة غير سياسية، ولكنها مهددة مع ذلك. وفي مقدمتها مشكلة ندرة المياه العذبة، إذ على الرغم من كل الجهود الكبيرة المبذولة في هذا المجال فإن حصة الفرد في الشرق الأوسط من المياه قد تنخفض في أفق منتصف القرن الحادي والعشرين إلى 550 مترا مكعبا سنويا مقابل 7000 متر مكعب كمعدّل عالمي، كما تدل الإحصائيات المقدّمة. ثم إن نقص المياه يعني نقص الري وبالتالي نقص إنتاج المواد الغذائية.

هناك أيضا مشاكل تلوث البيئة والبطالة والتصحر والكثافة العمرانية... إلخ. وهذه كلها مشاكل سوف تتفاقم أكثر في ظل واقع التوقعات الديمغرافية التي تشير إلى أن عدد سكان منطقة الشرق الأوسط سوف يزداد من 275 مليونا إلى 550 مليونا خلال عقدين من الزمن. وتدل تقديرات البنك الدولي إلى ضرورة توفير 100 مليون فرصة عمل في المنطقة خلال نفس المدّة.

هذه المشاكل (ذات الطبيعة غير السياسية) لن يتم التمكّن من مواجهتها إلا بقرارات ذات طبيعة سياسية، هذه المرة.

ومن الملاحظ أن جميع التوقعات والقراءات المستقبلية المقدّمة تُسقط من حساباتها أي دور فاعل للقوى المحلية، الحكومية أو غير الحكومية، فيما يتعلق بتوجيه دفة مستقبل الشرق الأوسط في منحى إيجابي متفائل. منحى آخر غير أفق الكوارث التي تهدد المنطقة.

كذلك تجري كل الأحاديث في الغرب اليوم وكأن خلق مناخ أكثر حرية وديمقراطية أمر مستحيل إلا إذا كان من (صناعة) غربية. وذلك فيما يشبه منطق (الوصاية) الذي بدّل سياقه، لكنه لم يتبدّل هو نفسه، هذا لا يعني بالطبع المطالبة بإغلاق جميع الأبواب أمام كل الرياح مرة بحجة أنها غربية وأخرى بحجة أنها شرقية.

ولكن لا بد من فهم أن الاستقرار مهم بالنسبة لمستقبل الشرق الأوسط لكنه مهم أيضا بالنسبة لمستقبل العالم، وخاصة لأوروبا بحكم الجغرافيا والتاريخ. وكل مساهمة جدّية تتطلب قدرا كبيرا من الوضوح والإرادة السياسية الحقيقية على قاعدة المصلحة المشتركة (العقلانية).

وتُجمع الاستقراءات المقدّمة على أن مستقبل الشرق الأوسط مرتبط إلى حد كبير بما ستؤول الأمور إليه في فلسطين والعراق وبالدور الذي ستلعبه القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، وبالرهان الاستراتيجي الذي يمثله البترول.

مسيرة السلام في فلسطين تبدو عموما وكأنها في طريق مسدود وليس هناك ما يسمح بالتفاؤل. كما تتفق الآراء، عموما أيضا، على أن إسرائيل تخطط كي تبقى القوة المسيطرة وذات اليد الطولى عسكريا، على قاعدة تفرّدها بامتلاك السلاح النووي خلال العقود القليلة المقبلة، هذا مع استعدادها لفعل كل شيء، وأي شيء، من أجل أن تحتفظ بتفوقها.

والوضع في العراق ليس أقل تشاؤما، وهناك احتمالان يترددان فيما يخص ما ستؤول إليه الأوضاع في هذه البلاد. الاحتمال (الأفضل) منهما يترقب أن يبقى العراق لسنوات مقبلة في حالة غليان مع وجود دولة ضعيفة ومجتمع تمزقه النزاعات والعنف على قاعدة الانتماءات الطائفية والعرقية، وإذا كان هذا هو الأفضل، فما هو الاحتمال الأسوأ؟

لعل أفضل ما يعبر عنه جملة كتبها ريتشارد هاس، الخبير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، في دراسة له تحمل عنوان: (الشرق الأوسط: مستقبل قاتم) وجاء فيها: (الاحتمال الأكثر سوءاً بالنسبة للعراق هو أنه سوف ينهار وستمزقه حرب أهلية عامة ستستدعي تدخل جيرانه).

وماذا عن دور القوى الخارجية الكبرى؟

هناك شبه إجماع على أن الولايات المتحدة الأميركية سوف تبقى القوة الخارجية الأقوى في الشرق الأوسط لعقود مقبلة لكنها ستكون أقل قوة، ونفوذها سوف يتراجع بالقياس إلى ما كان عليه في الماضي القريب، لاسيما بظهور منافسين جدد تجذبهم المنطقة، وليس أقلهم شأنا الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.

وكلمة عن البترول... لا شك أنه يمثل رهانا استراتيجيا وأمنيا في عالم اليوم. ولكنه سيكون رهانا أكبر في المستقبل القريب، وأفق نضوبه، ذات يوم، كأية مادة محدودة الكمية لا يقلل من حدة المعركة، بل يزيد على العكس من ضراوتها بين جميع الباحثين عن السيطرة عليه.

بناءً على كل ما تقدّم، وعلى مشاعر الخوف المبررة حيال ما يتم توقعه حيال منطقتنا، وقبل أن تقع الفأس في الرأس، كما يقال، لا بد أن يطرح العرب مسألة مستقبلهم، وعدم ممارسة سياسة النعامة التي تضع رأسها في الرمل.

ولعلّ الخطوة الأولى باتجاه المستقبل هي رسم لوحة عيانية للواقع القائم اليوم، كما هو، وبكل ما فيه، بكل تناقضاته ومكوناته ونزاعاته، ظاهرها وباطنها، المتفجرة منها والكامنة وبالأسماء والأرقام والتوصيفات المحددة. باختصار رسم واقعنا بحقائقه ودقائقه وواقعه وليس عبر الشعارات الموجّهة الخالية من أي مضمون. وإذا كان من يزرع الريح يحصد العاصفة، فماذا يمكن أن يكون غداً حصاد من زرعه اليوم عواصف؟

كاتب سوري