لم يكن مؤتمر دول جوار العراق في اسطنبول سوى صفحة من صفحات ذلك الملف الشائك والحرج الذي ربط العراق بجواره الإقليمي الصعب المزاج... وفي هذا المؤتمر السابق الذكر الذي عقد مؤخرا واجهت كل من الحكومة العراقية في بغداد وحكومة إقليم كردستان ووزيرة الخارجية الأميركية تلك الحمم البركانية المتفجرة من جوانب العراق الأربعة.

تركيا لم تستطع أن تزحزح غيوم أزمة حزب العمال الكردستاني عن أن تمطر على مؤتمر جوار العراق والمشاركين فيه وظلت الأجواء ملبدة وظهرت بوضوح من خلال تجهم أردوغان الذي لم يفارق ملامح وجهه أو ملامح تصريحاته حتى ان ابتسامة الوزيرة رايس بدت نشازا في حوار ساخن واتهامات من جانب الحكومة التركية للجانب الأميركي بأنه مسؤول عن وصول الوضع في العراق إلى أقصى الطرق المسدودة.

التحول الخطير الذي ميز مؤتمر جوار العراق الأخير هو أن البيان الختامي طالب بضرورة وضع حد للمنظمات الإرهابية التي صار العراق القاعدة الأساسية لها في حين أن المؤتمرات الماضية كانت تطالب دول الجوار بوضع حد للمنظمات التي تجعل من أراضيها قاعدة للانطلاق وتهديد أمن وسيادة العراق. هذا التطور هو في الواقع دليل عملي على أن كلاً من الولايات المتحدة والحكومة العراقية قد فشلتا في إحداث أي تقدم في الملف الأمني العراقي وبالتالي فإن معادلة الجوار والعراق والأمن قد انتهت إلى أن جميع الأطراف غير مرضية وغير كفؤة في مساعدة العراق.

ورغم تعهدات الحكومة العراقية بغلق مكاتب حزب العمال الكردستاني. من جانبها أعلنت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية، أن حزب العمال الكردستاني عدو مشترك لكل من تركيا والعراق والولايات المتحدة، وتعهدت رايس بأن تكثف بلادها الجهود للمساعدة في التصدي لأنشطة المتمردين الأكراد.

وقد تصدر هذا الموضوع محادثات رايس في اسطنبول مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عشية الاجتماع الإقليمي بشأن العراق.

وكانت رايس التقت في أنقرة بالرئيس التركي عبد الله جول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية علي باباجان في محاولة لإقناع الحكومة التركية بالتخلي عن خيار العمل العسكري.

وفي مؤتمرها الصحافي المشترك مع نظيرها التركي علي باباجان قالت رايس إن «الولايات المتحدة تعتبر حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية وأن عملياته تضر باستقرار العراق وتمثل مشكلة لأمن الولايات المتحدة وتركيا». لكنها جددت التأكيد على رفض بلادها لشن تركيا عملية عسكرية في شمال العراق.

عموما كلمات الحكومة العراقية وتعهدات الراعي الأميركي لم تنجح في إخماد إصرار تركيا على تفعيل العمل العسكري للتخلص من قضية حزب العمال الكردستاني بل وان قيام الحكومة العراقية بغلق الأحزاب المساندة لحزب العمال الكردستاني على شاكلة حزب الحل الديمقراطي.

هذه الخطوة لم ترض تركيا بل وحتى تصريحات علي الدباغ الناطق باسم الحكومة العراقية، والذي تعهد أن تقوم الحكومة العراقية باعتقال زعماء حزب العمال الكردستاني الناشطين في المناطق الجبلية الوعرة في كردستان العراق. حيث إن الجميع يعرف قدرات الحكومة العراقية والجميع يعي عجزها حتى ان تعتقل اللصوص وقطاع الطرق في نفس بغداد العاصمة فكيف ستقوم باعتقال زعماء متمرسين على القتال والمناورة في مجاهل المنطقة الجبلية.

مشهد تركيا في مؤتمر دول الجوار لم يكن هو المشهد الوحيد حيث إن جيران العراق العرب كانوا حاضرين أيضاً بصوت خافت استمع جيدا لجميع الآراء ومل من التفرج على بلد عربي كبير كان هو من يضبط إيقاعات النشاز الإقليمي وكان رقما عسيرا في المعادلة الإقليمية والدولية، الدول العربية المشاركة انتهزت فرصة المؤتمر للبحث في قضايا ربما كان فيها الصوت العربي أوضح، ومن أبرز تلك القضايا كانت القضية اللبنانية ومؤتمر أنابوليس المقرر عقده لبحث السلام في الشرق الوسط..

أما جار العراق الشرقي والذي جلست رايس والطاقم الأميركي معه تحت سقف واحد على مضض، هذا الفاعل الإقليمي أكد على لسان مندوبه إلى مؤتمر جوار العراق وزير خارجية إيران (منو شهر متكي) أهمية حفظ الأمن والاستقرار في العراق ونوه إلى ان الولايات المتحدة تتحمل الجزء الأكبر في الفوضى العارمة واقترح ان تنسحب القوات الأميركية من العراق وان تحل قوات إيرانية وعربية مشتركة لسد الفراغ.

الواقع ان إيران أرادت ان تجعل الولايات المتحدة تلتهم نفس السم الذي سبق أن أعدته للوصول إلى المنطقة العربية وفرض هيمنتها فسياسة ملء الفراغ هي ذات المشروع الأميركي الذي أعلنه كارتر مطلع السبعينات من القرن المنصرم كوسيلة لحفظ الأمن والهيمنة بعد ان تنسحب القوات البريطانية من الخليج العربي.

تصريحات متكي قوبلت بسخط أميركي معتاد واعتراض عربي وصمت من الحكومة العراقية لا اعرف إن كان بذلك يشبه صمت الحملان. أم هو صمت من أضاع صوته الوطني والعربي ولم تعد لكنته ولا ملامحه واضحة شرقية أم غربية.

عموما مشاهد مؤتمر جوار العراق متعددة واقطاب الجوار صاروا مستنفرين مما يجري في وادي الرافدين الا ان النقطة الجوهرية التي يجب ان تلفت النظر هو ان مؤتمر اسطنبول أو تلك المؤتمرات المشابهة في الواقع كانت لقاءات مهمة من حيث إنها تجمع لأطراف مختلفة قلما يجتمعون تحت سقف واحد وكذلك ان هناك وضوحا في رؤية تجتمع عليها كافة الدول المجاورة للعراق.. بالمقابل فان هناك انعداما لوجود برنامج عمل محدد تسير على أساسه الأطراف لحل قضايا العراق الإقليمية.

وكان الجميع صار يطالب من العراق في حين ان الواقع هو ان دول الجوار العراقي تحمل في يدها نصف الحل العملي لقضايا الأمن الاستقرار في العراق.

ورغم ذلك فان هذه الدول تطالب الحكومة العراقية بإيجاد الحلول وهي تدرك جيدا ان الحكومة العراقية عاجزة حتى عن حل أزماتها الداخلية واكتساب ثقة فصائلها وأطيافها. من جهته فان الراعي الأميركي بات اليوم يؤدي استراتيجية جديدة في العراق مفادها ان تقوم القوات الأميركية بأقل ما يمكن من الأدوار عملياتيا وذلك لان حركتها صارت تعني ازدياد الخطر المحدق فيها.

وبالتالي فان المطلوب هو البقاء في العراق بأقل ما يمكن من الخسائر إلى أن تجد الإدارة الأميركية الوقت المناسب والطريقة المناسبة للخروج وبالتالي يجب أن تظل خلافات الجوار مؤجلة إلى أقصى مدى ممكن وهذا ما دعا رايس إلى ان تقوم بدور المطمئن والمهدئ لانفعالات الجوار العراقي.

تركيا وإيران والجوار العربي سوريا والأردن والسعودية والكويت وحتى الجوار العربي المحيط مصر ولبنان بالإضافة إلى الولايات المتحدة كل تلك الأطراف باتت تشكل حلقة مفرغة تدور فيها قضايا العراق الأمنية والسياسية وهذه الحلقة المفرغة باتت تضيق يوما بعد الآخر ضاغطة باتجاه نقطة واحدة هي العراق وما صار عليه حال هذا البلد.

هل سيقود هذا الضغط إلى الإسراع في ضبط إيقاعات هذا البلد ليعود زمام الأمور لصالحه أم أن هذا الضغط سيقود إلى براكين وحمم أضرارها قد تحطم واقع ومستقبل العراق، ولن تكتفي تلك الحمم بأن تصل إلى الجوار بل إن ابعد نقاط منطقة الشرق الأوسط سيطالها الضرر.

كاتبة عراقية