استقلت باكستان كما هو معرف في العام 1947 مع تقسيم الهند، لكن الاستقرار ظل حلماً بعيد المنال بالنسبة لهذا البلد الذي أصبح عضواً في نادي الدول النووية مقارنة بجارتها وخصمها اللدود الهند.

حقاً، لماذا لا تستقر باكستان ولماذا أصبح تاريخها محكوماً بثنائية الحكم المدني والحكم العسكري الذي بقيت تتأرجح بينهما منذ الاستقلال وحتى اليوم؟

يفتقد الباكستانيون الكثير مما لدى الهنود أولها التوافق على مصدر الشرعية السياسية. ففيما رسخ الهنود منذ الاستقلال وحتى اليوم حكم المؤسسات والدستور والاحتكام لصناديق الاقتراع، تخبط الباكستانيون عقودا طويلة حتى اليوم في مستنقع الانقلابات والزعامات القبلية والعائلية ولم ترسخ المؤسسات ابدا.

وفي كلا البلدين يمثل الجيش مؤسسة قوية جدا لا على المستوى العسكري فحسب بل على المستوى الاقتصادي أيضا، ففي كلا البلدين تلعب مؤسسة الجيش دورا مؤثرا في الاقتصاد ان على مستوى اجتذاب الأيدي العاملة او الأدوار التي تلعبها المؤسسات الاقتصادية للجيش في المجتمع، لكن مع فارق أساسي وجوهري.

فالجيش الهندي لم يتورط في السياسة على العكس من الجيش الباكستاني الذي ظل يفرخ الجنرالات الانقلابيين عقدا تلو الآخر بل ولعب دورا غير مؤاتيا من الوجهة التاريخية في الاستقرار السياسي في البلاد. ففيما تنعم الهند رغم تنوعها العرقي والديني باستقرار راسخ، ظلت باكستان حتى اليوم تتأرجح على شفير مشكلات داخلية لم تتوقف تتمحور كلها حول السلطة.

وعلى المستوى الاقتصادي، فمع نهاية العام 2006 ، بلغ الناتج الإجمالي للهند 3 .906 مليارات دولار أميركي حسب أرقام البنك الدولي مع نسبة نمو بلغت 3 .9% ومعدل تضخم وصل إلى 3 .5% (يمكن مراجعة الأرقام على موقع البنك الدولي على الوصلة: http:web.worldbank.org).

أما باكستان، فقد حققت في ذلك العام ناتجا إجماليا قدره 8 .128 مليار دولار مع نسبة نمو بلغت 2 .6% ونسبة تضخم وصلت الى 3 .10%. وفيما تنطلق قطاعات الاقتصاد الجديدة وخصوصا تقنية المعلومات لتضاعف من قدرة الاقتصاد الهندي وجاذبيته، تبقى باكستان تراوح في مكانها بين صناعات تقليدية مثل التعدين والتصنيع الخفيف وتصدير المنسوجات. اما نسبة الإنفاق العسكري من الناتج الإجمالي فقد بلغت لدى الهند 9 .2% في العام 2005 وفي باكستان 3 .3% في نفس العام.

ومع ملاحظة الفوارق المهمة بين حجم البلدين وجغرافيتهما وعدد السكان والفارق في الثروات الطبيعية، فان الفوارق الاقتصادية تعود من جديد لتؤكد حقيقة أساسية يحتاج لها النمو الاقتصادي بشده وهي «الاستقرار السياسي».

ما من شك ان الاستقرار السياسي هو الذي مكن الهند رغم سجلها المليء بالمشكلات الداخلية وخط فقر يرزح تحته ربع السكان من النهوض والانطلاق بهذه القوة على العكس من باكستان. ان المقارنات تظهر المدى المدمر الذي يمكن ان يلعبه عدم الاستقرار السياسي في إضعاف الاقتصاد وتقليل جاذبية البلد لاجتذاب رؤوس الأموال. كما ان تغير الحكومات والأنظمة المتكرر يحول دون استقرار القاعدة الاقتصادية محليا.

لماذا تتخبط باكستان في هذه الحال من عدم الاستقرار السياسي؟ من النادر ان يجد المتابع رئيسا لباكستان عدا المؤسس محمد علي جناح أكمل مدته الرئاسية وخرج من السلطة عبر صناديق الاقتراع أو الوفاة الطبيعية على العكس من الهند.

وعلى العكس مما تبدو عليه المسألة، فان مؤسس باكستان محمد علي جناح لم يشأ ان يؤسس دولة دينية بل دولة للمسلمين. وابرز دليل على هذا ان القوانين التي بدأ بها جناح في دولته الجديدة لم تكن سوى نسخ من القوانين البريطانية، وليس هناك من مؤشر يمكن ان يقودنا الى ذلك سوى تلك المحاولة الأولى لاسلمة القوانين التي قادها الرئيس الباكستاني الأسبق الجنرال ضياء الحق في أواخر السبعينات وهذا الصراع المستعر منذ سنوات بين الجيش والتنظيمات الإسلامية.

ان هذا الصراع يبدو هو التركة الثقيلة لمرحلة الجهاد الأفغاني التي لعبت فيها باكستان دورا محوريا ورئيسيا انتهى في طوره الأخير الى الوقوف مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب. لكن تلك السنوات الطويلة تركت تأثيرا واضحا في المجتمع الباكستاني الذي أصبح مثل غيره من المجتمعات الإسلامية أسيرا لصراع هوية خطير امتد للبحث عن أسس جديدة للشرعية السياسية.

هذا هو مرجع الخطورة في الصراع السياسي الذي تعيشه باكستان اليوم، والتهليل الذي قوبل به انقلاب الجنرال برويز مشرف في اكتو بر 1999 انقلب إلى الآن إلى استياء عام من قبل الباكستانيين نتيجة لتضافر جملة من عوامل الإخفاق.

لقد كانت انقلابات الجيش في الماضي تتم ضد سياسيين مدنيين متهمين بالفساد او تحالفات خارجية غير شعبية، وكان التحدي الأساسي الذي يبرز أمام الأنظمة العسكرية هو الديمقراطية والحريات التي غالبا ما تستنهض الزعماء التقليديين أنفسهم للقيام بثورات وعصيان مدني يدفع الحكام العسكريين لاحناء رأسهم للعاصفة.

لكن عنصرا جديدا دخل في الصراع السياسي الداخلي في السنوات الأخيرة هو خصم جديد اسمه الإسلاميين. ومع هؤلاء يتخذ الصراع منحى آخر ليصبح صراع هوية او صراعا على شكل النظام والدولة التي يريدها الباكستانيون: دولة مدنية ام دينية؟

انه نفس طابع الصراع الذي يشل مجتمعات عربية وإسلامية عديدة، وفيما حسمت مجتمعات اخرى هذا السؤال ونحته جانبا مثل ماليزيا والهند، فان هذا يعيدنا من جديد الى المقارنة مع الهند.

لقد تم تنحية هذا السؤال جانبا منذ وقت طويل، ورغم بعض الدراما التي طبعت تاريخ الهند حيث اغتيل صانع الاستقلال المهاتما غاندي كما اغتيلت رئيسة وزراء في الثمانينات هي انديرا غاندي، فان المدلولات التي تطرحها المقارنة مع الهند بليغة جدا: لقد حمت العلمانية النظام الهندي ومنحته الاستقرار. لكن هذا لم يكن ممكنا لولا إيمان الهنود واتفاقهم غير المكتوب بالنظام والدستور نفسه ولولا احترامهم لقيم الديمقراطية وعلى رأسها: الاحتكام لصناديق الاقتراع.

قد لا يبدو هذا كافيا، لان النهوض الاقتصادي وأرقام النمو الكبيرة تحتاج الى ذكاء عملي يحتاج بيئة آمنة للنمو والانطلاق رغم كل العوائق والمشكلات.

كاتب وصحافي بحريني