هل هي حقاً مؤسسة عالمية مستقلة وحرة أم أداة سياسية إرهابية يتحكم في تحريكها الغرب بقيادة الولايات المتحدة؟

نظرياً ورسمياً تختص «المحكمة الجنائية الدولية» ومقرها في هولندا، بمحاكمة من توجه إليهم اتهامات بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، لكن على مستوى الواقع الملموس يمتنع طاقم المحكمة من قضاة ومدعين عموميين عن توجيه اتهامات أو ابتدار ملاحقات بشأن قيادات غربية وكأن المحكمة أنشئت خصيصاً لتأديب حكومات أو شخصيات في العالم الثالث وحده انطلاقاً من سياسات وأجندة الحكومات الغربية.

حتى الآن لا تحتجز المحكمة أو تلاحق سوى شخصيات إفريقية، وأحدث ما امتدت إليهم يد المحكمة شخصية كونغولية تدعى جيرمين كاتنغا الذي يقود تنظيماً محلياً باسم «القوة الوطنية للمقاومة» يدعو إلى انفصال ولاية كونغولية. لقد قبض على كاتنغا ونقل إلى مقر المحكمة، ويروى أنه في سياق دعوته الانفصالية يندد أيضاً بعمليات «النهب» التي تمارسها شركات التعدين الغربية في منطقته.

قبل اعتقال كاتنغا جرى اعتقال كونغولي آخر يدعى توماس دييلو باعتبار أنه أيضاً من أباطرة الحرب المحليين، ووجهت المحكمة اتهامات إلى أربعة من قيادات تنظيم «جيش الرب» الأوغندي، ثم وجهت اتهامات إلى وزير سوداني ومعه زعيم قبلي في سياق ما يجري في دارفور، وتتهيأ المحكمة الآن للشروع في محاكمة رئيس إفريقي سابق هو تشارلز تيلور، فبعد فراره من وطنه ليبيريا واستقراره في نيجيريا كلاجئ سياسي لمدة ثلاث سنوات قامت الحكومة النيجيرية بتسليمه إلى المحكمة الدولية العام الماضي.

هذا هو ما أنجزته المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن، لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح يتعلق بما لم تنجزه.. أو بالأحرى تعزف عن انجازه.

أولاً.. هل من المعقول أن تكون المحكمة ومن ورائها الحكومات الغربية التي تدعمها عاجزة لمدى 12 عاماً من العثور على اثنين من قادة صرب البوسنة راتكو ملادتش ورادوفان كرادتش المتهمين بارتكاب مجازر وإبادة بحق مسلمي البوسنة خلال عقد التسعينات؟

أجل.. لقد عقدت محاكمة لرئيس يوغسلافيا سابقاً سلوبودان ميلوسوفيتش (الذي توفي أثناء المحاكمة) ولكن ليس بسبب اتهامات تتعلق بجرائم في البوسنة وإنما لأن لدى الغرب دافعاً سياسيا لتصفية نظامه حيث إن يوغسلافيا بقيت خلال عهده الدولة الأوروبية الوحيدة التي حافظت على بقاء نظام اشتراكي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي السوفييتي.

ولكن لم نذهب بعيدا؟، لو كان قضاة ومدعو المحكمة الجنائية الدولية جديرين بهذا الاسم العالمي الرنان في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لما ترددوا في توجيه اتهامات إلى جورج بوش وديك تشيني ودونالد رامسفيلد لمسؤوليتهم الجنائية عن ممارسات القوات الأميركية في كل من العراق وأفغانستان. لقد شهد العالم عمليات إبادة أميركية في مدينة الفلوجة العراقية حيث كان الجنود الأميركيون يبيدون أسراً بأكملها بما فيها من أطفال.

وبعد فضائح التعذيب الوحشي بالجملة في سجن أبو غريب انكشفت فضائح القتل العشوائي بحق المدنيين العزل على أيدي مرتزقة الشركات الأمنية الأميركية في العراق وأفغانستان على حد سواء، والعالم يشهد يومياً انتهاكات القوات الإسرائيلية بحق المدنيين الفلسطينيين من جرائم قتل جماعي واغتيالات فردية وهدم منازل وتجريف مزارع، وليس متاحاً لقضاة المحكمة الجنائية الدولية المحاججة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل من بين الدول التي لم تشأ أن توقع على معاهدة إنشاء المحكمة...

وبالتالي فإنهما تقعان خارج اختصاص المحكمة.. وإلا فليفسروا لنا لماذا امتدت يد المحكمة لتطال الوزير السوداني ورفيقه الزعيم القبلي. فالسودان أيضاً ليس من بين الدول التي صادقت على معاهدة إنشاء المحكمة. هذه ليست محكمة دولية. إنها فقط أحدث أداة سياسية غربية لممارسة إرهاب الدولة.