ليس صحيحا أن التاريخ يعيد نفسه، لأن لكل مرحلة عنوانها ومزاجها ورجالها. ولا يعنى هذا أن عصور التاريخ جزر معزولة بل هناك ترابط بحكم التراكم وتفاعل الماضي مع الحاضر.

لذا يجب علينا ونحن نعالج مشاكل وطننا العربي أن نضع دروس وعبر التاريخ نصب أعيننا. فنحن الآن في خضم تحول جذري ينذر بمخاطر غير مسبوقة، تهدد وجودنا العربي، وتستبيح وحدة كياناته القطرية الوطنية بنزاعات وصراعات، ضمن آليات الفوضى غير الخلاقة، التي تسعى بعض القوى الدولية لإشاعتها كذريعة لتمرير خطط وخرائط جديدة للمنطقة.

ولن تجد شعوبنا وحكوماتنا من وسيلة ناجعة للتحصين ضد آفة الفوضى أكثر من ترسيخ مبدأ المصالحة الوطنية.

في مقدمة دروس وعبر تاريخنا العربي والإسلامي في عصوره الوسيطة والحديثة، أن وحدة الصف ووضوح الهدف وقوة الإرادة هي الحصن الواقي ضد أي محاولات للاختراق والغزو. وبمنطق المخالفة فإن انفراط العقد وضبابية الرؤية ورخاوة الإرادة هي الثغرات الواسعة التي ينفذ منها الأعداء وتسهل لهم احتلال الوطن وتغييب عقل الأمة.

حدث هذا إبان الغزوات الصليبية التي اتخذت ظلما وبهتانا من المسيحية ستارا لحرب توسع واحتلال، ارتكبت خلالها جيوش الممالك الأوروبية أبشع المجازر في القدس، حتى جرت انهار الدماء في شوارع المدينة، وتمددت الغزوات لتشمل أرجاء وطننا في ظل أوضاع التفكك والتشرذم والتنافس على الزعامة بين دويلات العرب وقتها.

وعندما استردت الأمة عافيتها وجمعت شتات أمرها ووحدت صفوفها تحت قيادة جسدت صلابة الإرادة ووضوح الهدف تحقق لها الانتصار بعد أن كان مستحيلا.

وعلى المنوال ذاته وقعت أقطار وطننا العربي فريسة للقوى الكبرى إبان فترة الضعف والتفكك في مطلع العصر الحديث، إلى أن استنفرت قوى النهضة والتحرر وأجبرت الاحتلال الغربي على الرحيل، واليوم ونحن نواجه تحديات في لبنان تعيق عملية انتخاب رئيس جديد وسط انقسام حاد بين الأكثرية النيابية والأقلية المعارضة.

وفى العراق حيث يعيق الاحتلال وتداعياته بروز قواعد ومرجعيات واضحة موثوق بها لانجاز عملية التحول والبناء، وفى فلسطين حيث يكرس الصراع بين القوتين السائدتين على الساحة تحقق إجماع وطني على برنامج للتحرر أو للتفاوض، نجد أنفسنا مجددا أمام ضرورة تبني منطق المصالحة الوطنية لتحصين وطننا ضد الفوضى والتفكك.

والحاصل أن تجاهل حقيقة أن المصالحة ووحدة الصف هي الحصن المنيع لحماية استقلال ووحدة أقطارنا، يصب دائما في خانة تسهيل تمرير مخططات التقسيم والإخضاع والتدجين.

يرتبط بهذا الخلل في التعاطي مع الواقع منطق عقيم يعيد بناء أحداث الماضي وفقا لمقولات الحاضر ومعطياته وادعاء الحكمة في غير أوانها أو بأثر رجعي كما يقال، لدرجة تكرس الانهزام في نفوس الأجيال الجديدة، مثلما يزعم البعض من فقهاء التبعية بان العرب أضاعوا الكثير من الفرص على أرض فلسطين، ولو أنهم قبلوا بقرار التقسيم الذي يعقد في ذكراه مؤتمر انابوليس للسلام، لكانوا الآن لديهم دولة فلسطينية، ويستمر أصحاب هذا المنطق لتبرير أي تنازل على انه انجاز.

الخلاصة، أننا مطالبون اليوم بتحويل المصالحة الوطنية من مجرد دعوات وأمانٍ طيبة، إلى آلية ومنهج عمل يقوم على إطار مؤسسي يدمج الحكومي بالشعبي، ويرفع التناقض بينهما. ويجدول المهام، ويعتبر الممكن المتاح خطوة ضرورية على طريق الأهداف النهائية بعيدة المدى. ويخلص الذهنية العربية من التناقض المصطنع والثنائية العقيمة بين الممكن والمستحيل.

في هذا السياق يجب على مؤسسات العمل العربي المشترك وفى مقدمتها الجامعة العربية أن تبادر بتفعيل مواثيق التضامن والتعاون وحل النزاعات وتطلق مبادرة جديدة لتشجيع المصالحات القطرية والوطنية، وعقد جلسات عمل لصياغة برامج ترصد أوجه تفريخ الصراعات بين مكونات القطر العربي، وتضع تصورات لتذويبها للحفاظ على وحدة أقطارنا، التي هي مقدمة لنجاح أي عمل عربي مشترك.