فاض بشعب غزة الكيل فهو شعب صامد مرابط قابض على جمر المقاومة والالتزام بأركان قضيته دون تمويه او تمييع ثم هو شعب يدفع ثمن لؤم أعدائه وتقاعس ذوي القربى في آن واحد تقصفه طائرات ودبابات اسرائيل كل يوم تقريبا وتفرض عليه حصارا قاتلا ومريرا وتحشد القريب والبعيد ليزيد سهما في السهام المغروسة في جسد هذا الشعب المقاوم .

لكنه لم ييأس او يتخاذل او ترح به المآسي الى حد الانفجار على الذات لذلك فإن سكان غزة يستحقون اشادة من نوع خاص فهم حين فاض بهم الكيل عبروا عن غضبهم عبر مسيرات شعبية تطالب بالمصالحة بين الفصائل التي تفرقت بها السبل في تأويلاتها تجاه افضل وسائل النضال المسلح او السياسي في مواجهة أعداء يزدادون عدوانية وأشقاء يزدادون خصومة .

وكانت مسيرة الامس في غزة دليلا على تماسك أهل القطاع ووضوح الرؤية لديهم تجاه ما ينفعهم وما يضرهم فحين غزاهم العدو قاوموا وحين أغراهم بقتال بعضهم بعضا تعقلوا ولم ينحرفوا الى حدود اعطاء عدوهم نصرا لايستحقه باقتتالهم فيما بينهم .

إنهم يطلبون المصالحة بين فريقين متخاصمين لم يكونا كذلك حين كان صاحب الذكرى الثالثة لوفاته (ياسر عرفات) حيا حيث كان يعرف جيدا كيف يوازن بين الاثقال ومتى يهادن دون أن يتنازل حتى جاء القرار الأخير بقتله على سرير المرض ويوم الحادي عشر من هذا الشهر الاحد المقبل تحل الذكرى الثالثة لوفاته وليبقى رمزا للنضال واحتضان كافة فصائل المقاومة وادارة السجال السياسي التفاوضي في نفس الوقت دون أن يكل أو يمل.

فقد حاصره اعداؤه في مقره برام الله لسنوات دون أن يذعن أو يطأطئ الرأس وهو الشيخ الكبير لم يرحم أحد كبر سنه ولم ينجح أحد في فك الحصار عنه بينما يدير معركته من قلب الاحداث لم يلجأ الى المنفى الاختياري ليدير معركته عبر الابواق ومن شرفات القصور المنيعة وحين تنفس الناس الصعداء بقرار نقله الى فرنسا للعلاج لم يكن ذلك سوى مرحلة انتقالية تمهيدا لازاحته من ساحة التفاوض ليسترح الاعداء والوسطاء معا من عناده وصلابته كمفاوض بارع بل وازاحته من الدنيا بكاملها .

فرحل وهو قابض على جمر قضيته مسجلا لنفسه صفحة في التاريخ تزداد بهاء كلما مرت عليها الايام واخضعتها ظروف لاحقة للتمحيص والنقد لتظهر الصفحة درسا مبهرا لكل مناضل تهون نفسه ولا تهون قضيته الوطنية .

وهكذا تضافرت ذكرى رحيل عرفات مع تشبع الشعب الفلسطيني في غزة من ملل الانتظار الى أن يتوصل الفرقاء الى كلمة سواء فليكن درس التجرد من الهوى ورغبة الزعامة الذي اطلقه الرئيس الشهيد نموذجا يحتذى لكل الفرقاء على الساحة الفلسطينية .

فكيف يعيش شعب واحد بين حكومتين متعارضتين ورؤيتين متناقضتين للعمل السياسي بينما العدو يحصد من أرواح أبنائه كل يوم عددا ويهدم من بيوته ما شاء بسبب وبغير سبب حتى وصل الامر الى حد اتهام حكومة لأخرى أنها وراء تشديد الحصار الاسرائيلي على غزة وطبيعي ان يتعلم شعب عاش كل هذه السنين تحت ضغط الاحتلال كيف يصبر ولا ينجرف وراء الاقاويل لكن هذا الشعب الصابر من حقه ان تسعى قياداته للتقارب والتفاهم وإعلاء القضية الوطنية فوق أية حسابات شخصية او فصائلية فهذا حق الشعب الفلسطيني وواجب على قياداته وداعميهم من خارج فلسطين ان يعملوا على الوفاء بهذا الحق .