احتفلت الجزائر في أول نوفمبر الماضي بالذكرى الثالثة والخمسين لاندلاع حرب التحرير وسط دعوات رسمية وشعبية مطالبة فرنسا بالاعتراف بجرائم الإبادة المقترفة في حق الشعب الجزائري الذي سقط منه مليون ونصف المليون شهيد خلال مدة سبع سنوات من عمر بداية الثورة.
ولا تزال فرنسا، منذ استقلال الجزائر، ترفض الاعتراف بجرائمها واعتبرت الأمر صفحة تاريخية من سياسة فرنسا الاستعمارية يجب نسيانها من دون الاكتراث بما خلفه استعمارها لهذا البلد لأكثر من مئة سنة من تقتيل وتشريد وتنكيل وتعذيب، بدليل، لم تحاكم جنرالاتها الأموات منهم والاحياء على ما صنعوه في شعب الجزائر
ومن تبقى منهم كالجنرال اوزاراس الذي اعترف صراحة بقتله لآلاف الجزائريين وزعيم اليمين المتطرف جون لوبان الذي عاث فسادا في ارض الجزائر ولا يزال يحمل حقدا دفينا لكل ما هو عربي في برامجه وحملاته السياسية ويصر على طرد العرب المقيمين في فرنسا، فهؤلاء الجلادون يلقون الرعاية والدعم الرسمي في كتابة مذكراتهم.
كل ذلك يحدث بمباركة الحكومات الفرنسية التي تعاقبت على الحكم ورفض جميعها فتح ملف حرب الجزائر على الرغم من أن الجزائر استبشرت خيرا بالرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك الذي أوشك في عهده التوقيع على اتفاقية مشتركة للصداقة والتعاون لولا اقدام البرلمان الفرنسي على تبني مشروع قانون يمجد فيه اعمال الاستعمار، واثار المشروع حفيظة الرأي العام الجزائري خصوصا منهم شريحة مجاهدي الثورة الذين لا يزال الآلاف منهم مطبوعا بآثار التعذيب.
الرئيس الفرنسي الجديد نيكولاي ساركوزي لم يكن هو الآخر كسابقيه واعتبر ما فات من صفحات الماضي، لكن هل في مقدرة شعب نسيان سنوات القهر والاستعمار وهل في امكانه الصفح عمن اقترفوا بحقه أبشع أنواع التعذيب خصوصا التعذيب الذي مارسه الجزائرون الملقبون (بالحركي) او(الخائنين).
والذين تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي ايام الثورة ونكلوا بإخوانهم ورفضوا استقلال الجزائر ولا يزال العديد منهم يعيش في فرنسا منبوذا بعد ان رفضت الحكومات الفرنسية المتعاقبة ادماجهم في المجتمع الفرنسي ويعيشون اليوم على هامش التاريخ والذاكرة لا المجتمع الفرنسي تقبلهم لأنهم عرب أولا وخانوا شعبهم ثانيا ولا الشعب الجزائري قادر على الصفح عنهم.
فرنسا مطالبة اليوم بإعادة حساباتها مع دول المنطقة التي احتلتها أولها الجزائر إذا كانت راغبة في انجاح مشروعها لتأسيس فضاء متوسطي يجمع دول المنطقة التي يسعى إليها الرئيس الفرنسي لكي تكون أول تكتل أوروبي متوسطي قائم على التبادل التجاري والاقتصادي والثقافي، ومن المنطقي ان تباشر فرنسا حوارا جادا مع الدول المغاربية الفاعلة.
وتفتح ملفات الماضي وتناقشها بموضوعية لإيجاد حلول عقلانية لها أولها أرشيف الفترة الاستعمارية التي ترفض فرنسا إعادته إلى الجزائر وملف التعويض للشهداء ومن عانى من التعذيب والسجن القسري فهؤلاء جميعا من حقهم الحصول على حقوقهم بموجب المواثيق الدولية، ألم تطالب فرنسا ليبيا بمحاكمة من اسقطوا الطائرة الفرنسية وبتعويض لعائلات الضحايا؟ فلماذا ترفض حق الجزائر الشرعي في الحصول على حقوقها؟
إن الاعتراف بالخطأ ليس بخطيئة ولا جريمة بل هو تعبير انساني وأخلاقي عن فعل ارتكب ولا يتوجب ان يتكرر في المستقبل كما انه من حق الأجيال ان تحصل على ضمان بالعيش في سلام وأمن ما دامت موازين القوة الراهنة مائلة للأقوى ولا نعرف هل تعاود القوى الكبرى حركة استعمارها للشعوب المغلوب على أمرها.
علما انه لا يوجد رادع يمنعها من الإقدام على تكرار الفعل لا القانون الدولي الذي هو في الأساس قانون أوروبي أميركي يراعي مصالح هذه القوى ولا الاعراف الدولية.
فالقوة هي المعيار الرئيس الذي يسير العلاقات الدولية بدليل عندما احتلت الولايات المتحدة الأميركية العراق لم تجرؤ اي دولة من دول العالم ان توقفها أو تطالب بمحاكمتها دوليا، ولذلك فإنه من حق الشعوب التي استعمرت سابقا ان تطالب بضمان دولي بأن لا تحتل في المستقبل كما من حقها ان تبقى حذرة من المخططات التي تطبخ في الخفاء، فجميع المشاريع الراهنة التي تطرح إنما ترمي إلى إبقاء الهيمنة اقتصاديا وامنيا وسياسيا.
ويظهر ان الجزائر مثلها مثل دول المنطقة فهمت اللعبة الدولية وهي ان القوى الكبرى تريد توزيع الأدوار فيما بينها في مناطق النفوذ الاستعمارية سابقا وهاهو مشروع ساركوزي المتوسطي يطل كأحد المشاريع التي ترمي إلى تقريب دول المنطقة من النفوذ الفرنسي، ويظهر ان المفكر هوبز كان صادقا عندما قال ان الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، مع انه نسي ان يشير الى ان هذا الذئب هو الأوروبي بالأمس والأميركي اليوم!!.
كاتب جزائري