جان دانييل هو رئيس تحرير مجلة «النوفيل أوبسيرفاتور»، وأحد كبار المعلقين السياسيين على الأحداث في فرنسا. وله تأثير لا يستهان به على الرأي العام والقادة السياسيين. فافتتاحياته الأسبوعية في المجلة المذكورة تحظى باهتمام الكثيرين بمن فيهم المراجع العليا.

كما أنه ذو تكوين فلسفي في الأصل، وقد كان صديقاً لسارتر وميشيل فوكو ومقرباً من فرانسوا ميتران واليسار الاشتراكي عموماً.

ولكنه على علاقة جيدة أيضاً مع ساركوزي على الرغم من انه لم يصوت له في الانتخابات الأخيرة. والدليل على ذلك هو ان الرئيس الفرنسي حرص على ان يصطحبه معه أثناء زيارته للجزائر بعد انتخابه مباشرة تقريبا.

ومعلوم انه من يهود الجزائر وفيها ولد عام 1920. بل ان اسمه الحقيقي هو جان دانييل بنسعيد. وبالتالي فله علاقات وثيقة بالقادة الجزائريين وفي طليعتهم الرئيس بوتفليقة.

ويرى جان دانييل أن قادة معظم الدول العربية والإسلامية وكذلك معظم الهيئات الدينية أدانت الهجوم على أميركا بعد 11 سبتمبر ونفت وجود أي صدام بين الإسلام/والغرب. وقد وافقها من جهة الغرب كلٌ من هنري كيسنجر وكولين باول في أميركا، ثم هوبير فدرين وزير خارجية فرنسا وآلان ريشار وزير دفاعها السابق بالإضافة إلى آخرين عديدين.

الجميع اتفقوا على أن أطروحة صموئيل هانتنغتون عن صراع الحضارات خاطئة. ولكن جان دانييل يعتقد بأن شبح هذا الصدام يخيّم على بدايات القرن الواحد والعشرين على الرغم من كل شيء. في الواقع إن هنتنغتون قدم نفسه كوريث لكبار فلاسفة التاريخ من أمثال شبنغلر وتوينبي.

ولكنه لا يمتلك موهبتهما الفلسفية ولا يستطيع الارتفاع إلى مستواهما. وعلى الرغم من ذلك فإن أطروحاته لا تزال تؤثر على بعض الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن وبخاصة المحافظين الجدد.

نقول ذلك على الرغم من ان برنارد لويس سبقه إلى هذه الاطروحات بزمن طويل وربما كان قد أخذها عنه. لكن ما هي أطروحات هنتنغتون؟ يرى هذا الرجل أن الصراعات القومية التقليدية وكذلك الإيديولوجية السياسية التي شغلت القرن العشرين انتهت وأننا مقبلون على مواجهة من نوع آخر.

وهذه المواجهة سوف تحصل بين الحضارات الثماني الكبرى التي تهيمن على العالم: أي الحضارة الغربية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الكونفوشيوسية الصينية، والحضارة الأرثوذكسية أو السلافية الروسية، والحضارة اليابانية، والحضارة الهندية، والحضارة الأميركية اللاتينية، والحضارة الإفريقية.

وجميع هذه الحضارات تهدد الحضارة الغربية وبخاصة الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية... ويرى هذا الفيلسوف المتشائم أن الغرب أصبح مُستَهدفاً من قبل الآخرين بسبب سلوكه المهيمن وتفوقه التكنولوجي والعلمي الكاسح على جميع شعوب الأرض.

هل يعني ذلك اندلاع صراع الطبقات على المستوى الدولي؟ أم انتفاضة العالم الثالث الفقير ضد الشمال الغني؟ أبداً. وإنما سيكون الصدام حضارياً: أي بين قيم متناقضة ولا يمكن التوفيق بينها. وإذا ما اعترض عليه أحدهم قائلاً بان الرهان الأكبر للقرن الواحد والعشرين سيكون المصالحة بين كونية القيم وبين تعددية الثقافات فإنه يرد عليه فوراً بما يلي: لا توجد قيم كونية.

ولا يمكن أن نصالح بين قيم الحضارة الغربية وقيم الحضارات الأخرى وبخاصة الحضارة الإسلامية. فكل حضارة لها تصور مختلف عن الولادة، والتربية، والحب، والجنس، والعذاب، والزواج، والموت، وما بعد الموت.

وبالتالي فمن العبث والخطأ أن نحاول فرض قيمنا على الآخرين. لا يجوز أن نفرض قيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتحرير المرأة مثلاً على أبناء الحضارات الأخرى لأن لهم قيمهم التي تختلف عن قيمنا. وينبغي على الغرب الأوروبي والأميركي أن يقوّي تضامنه وعلائقه الوثيقة فيما بينه لكي يواجه عدواناً على قيمه وحضارته من الخارج وبخاصة من جهة الإسلام. هذا ما كتبه هنتنغتون عام 1996 في كتابه صدام الحضارات.

فهل تحققت نبوءته يا ترى بعد ضربة 11 سبتمبر والعدوان على نيويورك وواشنطن؟ وهل كان أستاذ هارفارد وحده على صواب ونحن جميعاً على خطأ؟ هل كان وحده المبصر ونحن العميان؟ في الواقع إن الأصولية المتطرفة تدعم أطروحات هنتنغتون وتشجعها لأنها هي الأخرى تلحّ على مدى البون الشاسع بين قيم الغرب وقيم الإسلام كما تفهمها وتفسرها بالطبع.

ثم يردف جان دانييل قائلاً: لا ريب في أن صعود التطرف الديني أو الأصولي هو السمة الأبرز التي تميز العشرين سنة الأخيرة. فالفشل الذي مُنِيت به الإيديولوجيات العلمانية الكبرى كالماركسية والليبرالية التي كانت تعد الناس بتحقيق التقدم المادي والتحرير الأخلاقي، أدى إلى صعود الإيديولوجيات المتطرفة واحتلالها للساحة محلها.

وهكذا قدمت الأصولية الدينية نفسها كبديل روحاني عن المادية الرأسمالية والشيوعية الإلحادية في آن معاً. ولكن هناك ثلاثة اعتراضات على أطروحة هنتنغتون.

أولاً: كيف يمكن أن نفسر الصراع المندلع بين المؤمنين الذين ينتمون إلى نفس الدين، وبالتالي إلى نفس الحضارة؟ فالحرب المدمرة بين العراق وإيران استمرت ثماني سنوات، وأدت إلى ما يقارب المليوني قتيل بحسب معهد الدراسات الإستراتيجية في لندن.

وهذه الحرب لم تحصل بين الغرب/والإسلام، وإنما بين المسلمين أنفسهم، وكان بعض رجال الدين في كل معسكر يباركون إرسال الأطفال والشباب الصغار إلى ساحة الوغى، والحرب العراقية-الإيرانية من أخطر الحروب التي جرت في النصف الثاني من القرن العشرين.

فقد حصلت فيها مجازر حقيقية وبخاصة بعد استخدام الأسلحة الكيماوية. بل وحتى حرب تحرير الكويت جرت بين العرب أنفسهم بشكل من الأشكال ولم تكن بين حضارتين مختلفتين.

ثانياً: فيما يخص الإسلام ينبغي التمييز بين التفسير الذي يشجع على الاستنارة الدينية عن طريق العودة إلى الأصول وتسليط أضواء الفكر الحديث عليها كما يفعل البروفيسور محمد أركون مثلا، وبين التزمت الانغلاقي الذي يعتمد على تأويل متعصب للنصوص المقدسة لكي يفرض على المجتمع تصوراته القسرية والإكراهية ولكي يعود به إلى القرون الوسطى.

فهناك المسلمون المستنيرون والمسلمون المتطرفون ولا ينبغي الخلط بينهما كما تفعل أحيانا وسائل الإعلام الغربية. وبالتالي فالمسلمون ليسوا كتلة واحدة صماء بكماء، ولا كذلك الغربيون. فهم ليسوا جميعا من المحافظين الجدد..

ثالثاً: نستنتج من كل ذلك أن أولى ضحايا الإرهاب الأصولي وأكثرهم عدداً هم المسلمون أنفسهم! فضحايا التزمت والإكراه في الدين بلغ عددهم في الجزائر وحدها ابان السنوات العشر السود مئتي ألف شخص: أي عشرة أضعاف الضحايا الذين سقطوا في الغرب طيلة السنوات الأخيرة بمن فيهم ضحايا البنتاغون ومركز التجارة العالمي في نيويورك.

بل وخلال شهر سبتمبر 2001 سقط ما لا يقل عن مئتي قتيل في الجزائر كضحايا للتعصب المتزمت وللحركات الجهادية المتطرفة.

وبالتالي فينبغي عدم الخلط بين عصابات المتزمتين الإرهابيين وبين جماهير المسلمين الذين لا علاقة لهم بالعنف والإرهاب على الإطلاق. بل ومعروف عنهم حب الأجنبي وكرم الضيافة الذي اشتهر به العرب على مر التاريخ. فمن دخل بيتهم فهو آمن. وهم قوم يريدون ان يعيشوا بسلام وأمان مثلهم في ذلك مثل بقية البشر. ان الخلط بين الطرفين يعني التعميم العنصري بكل بساطة.

وهو تعميم تقوم به حركات اليمين المتطرف في فرنسا أو في الغرب كله ضد الإسلام والمسلمين. فهل يعني ذلك ان البروفيسور هنتنغتون عنصري أو يميني متطرف. لا نعتقد ذلك. نقول هذا وبخاصة انه اعتذر عن أطروحة صدام الحضارات لاحقا أثناء زيارته للسعودية في إطار مهرجان الجنادرية على ما أعتقد.

على أي حال فنحن لا نتفق مع أطروحاته الأولى لاننا نعتقد بوجود قيم كونية مشتركة بين البشر كالمحبة والتضامن والتسامح والنزعة الإنسانية والأخلاقية العالية التي نصت عليها جميع الأديان الكبرى وفي طليعتها الإسلام الحنيف. وهذه القيم هي التي تتيح لهم ان يعيشوا بسلام ووئام. فالاختلاف في الدين والمعتقد إذا ما فهمناه جيدا لا يمنع التعايش السلمي على الإطلاق.

ولكن الشيء الغريب المدهش هو ان تنبؤات هنتنغتون سبقت ضربة 11 سبتمبر ببضع سنوات فقط. وهذا دليل على مدى أهميته كمفكر لانه استبق على حركة التاريخ ورأى إلى أبعد من أنفه على عكس المثقفين السطحيين.

والحال ان صدام الحضارات واقع لا محالة إذا ما سيطر المتطرفون على الساحة في كلتا الجهتين. ولكن سيطرتهم مؤقتة لن تدوم. وقد ابتدأوا يعتذرون عن تجاوزاتهم التعسفية والإجرامية. أنظر توبات بعضهم من جماعة الجهاد في مصر أو غير مصر.. وبالتالي ففي النهاية لا يصح الا الصحيح..وقد كان الإسلام دين الوسطية والعقل والتسامح والاعتدال، وسيبقى.

كاتب سوري ــ باريس