تصدق مقولة ابن خلدون القائلة بأن المغلوب مولع دائماً بتقليد الغالب بدرجة كبيرة في توصيف علاقة العرب بالولايات المتحدة الأميركية. وبتحريف قليل لهذه المقولة يمكن القول بأن المغلوب في بعض الأحيان يتماهى مع الغالب ويتوحد به ويتبعه ويقبل بأحكامه وشروطه.

فعلاقة العرب بأميركا علاقة تثير الكثير من الدهشة والاستغراب من حيث أنه كلما زادت أميركا من تسلطها واستخفافها بالأمة العربية، زادت الأخيرة من خضوعها وتبعيتها المفرطة بالأولى. وتاريخ العلاقات العربية الأميركية يكشف عن درجة كبيرة عن حجم الاستخفاف الأميركي الهائل بالمصالح العربية المعاصرة، وعلى رأسها مصالح الشعب الفلسطيني التاريخية.

تبدو هذه العلاقة الغريبة واضحة غاية الوضوح من خلال الدعوة الأميركية لمؤتمر أنابوليس الخاص بالسلام الوهمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإيجاد حل دائم وشامل في المنطقة على حد زعم الإدارة الأميركية. وهى مسألة باتت من لوازم الإدارات الأميركية المتعاقبة.

حيث تحاول كل منها في ختام دورتها الرئاسية إيجاد حل شامل للقضية الفلسطينية. ولا أدري بالضبط أين كان الرئيس بوش طوال السنوات الطوال الماضية من فترتي حكمه؟

ولماذا العجلة الآن من أجل حل شامل للصراع العربي الفلسطيني والرئيس بوش يشارف على مغادرة البيت الأبيض؟ ولماذا تؤرقه القضية الفلسطينية ذاتها، وأوجاع وآلام الفلسطينيين اليومية؟ فعلى حد علمي أنه لا يوجد أقارب للسيد بوش أو للسيدة رايس في فلسطين، كما أنهما لا يرتبطان بأية صلة بالمنطقة العربية أو الأفريقية، إذا ما وضعنا الاعتبارات العرقية في الاعتبار.

من هنا يبدو تصديق العرب للأميركان مسألة تنطوي على درجة كبيرة من الاستغراب والاندهاش، من حيث أن كل الدلائل والمؤشرات والقرائن والأحداث التاريخية تؤكد على أن الولايات المتحدة الأميركية لم تعمل من أجل الصالح العربي في أى وقت من الأوقات.

ولا تقف المسألة فقط عند عدم قيام أميركا بما يفيد المصالح العربية لكنها تتعدى ذلك إلى النقيض حيث العمل بدأب وإصرار ضد المصالح العربية، وعلى رأسها المصالح الخاصة بالشعب الفلسطيني. فعبر ما يزيد على نصف القرن لم يكن العرب يحاربون إسرائيل وحدها بقدر ما كانوا يحاربون أميركا أيضاً.

فالمساعدات الأميركية الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية لم تنقطع عن إسرائيل طوال العقود المنصرمة، كما أن المساعدات الأميركية في المحافل الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة لم تنقطع هى الأخرى.

بل يمكن القول بدرجة كبيرة من الصحة أن معظم الكوارث التي ألمت بالمنطقة كانت نتيجة للتدخلات الأميركية المباشرة منها وغير المباشرة في المنطقة رغم تحمل العرب مسؤولية كبيرة في ذلك.

ورغم كل ما أشرنا إليه حول الدور السلبي لأميركا في المنطقة فإن العرب مازالوا يصدقون أميركا ويهرولون وراء مشروعاتها الوهمية التي لن تصب في النهاية سوى في مصلحة إسرائيل ومشروعها الصهيوني الإمبريالي في المنطقة.

ولسنا هنا في معرض تحليل النتائج المختلفة التي يمكن أن يتمخض عنها مؤتمر أنابوليس بقدر ما نحاول أن نقف عند أسباب الولع العربي بأميركا وذلك التصديق المنقطع النظير لها. أول هذه الأسباب يعود إلى التركيبة النفسية للأمة العربية المرتبطة بشخص كبير الحارة المهيمن والذي يتبعه الآخرون.

وربما في هذا السياق يمكن تفسير ذلك الانجراف الهائل الذي ربط المشاهد العربي بمسلسل «باب الحارة».

فالعرب تعودوا أن يكون لهم كبير، بل إن المثل العربي يدعم ذلك حينما يقول «من ليس له كبير يشترى كبيرا». وهى حالة متجذرة في البنية العربية الباطرياركية، تنتقل عدواها من المستوى الفردي إلى المستويات السياسية الكبرى.

فالكثير في عالمنا العربي مازال يرى في الولايات المتحدة الأميركية ذلك الشخص الكبير الذي يمتلك زمام الأمور ويساعد على إيجاد الحلول التي نعجز عن التوصل لها وتحقيقها.

من هنا يتم ترحيل المشكلات الهائلة التي نواجهها ونعجز عن حلها إلى غيرنا، ليسهل علينا بعد ذلك إلقاء تبعات اللوم والنقد على الآخر سواء أكان فرداً أو دولة مثل أميركا. فأميركا المعاصرة بالنسبة للعرب هى نموذج السلطة الأبوية التي يمكن أن نستشيرها ونلتزم بما تقوله، سواء أضرتنا أو أفادتنا.

وهى حالة ممزوجة بالخضوع والتوحد والعشق في الوقت نفسه، لذلك فإنها أقرب لمستويات التحليل النفسي منها إلى أي مستويات تحليلية أخرى.

وثانياً، وارتباطاً بما سبق، تأتي حالة العجز العربي غير المسبوقة عن مواجهة القضايا العربية المصيرية المشتعلة في كل مكان، في فلسطين والعراق والسودان ولبنان والمغرب وغيرها. وفي كل هذه المناطق العربية المختلفة اكتفى العرب بما تمليه أميركا وبما تتضمنه أجندتها.

ومن الغريب في الأمر أن العرب أصبحوا مجرد ضيوف على موائد مناقشة مثل هذه القضايا المصيرية، هذا إن حضروا وناقشوا وتكلموا أصلاً.

ومن اللافت للنظر هنا أن أصوات العرب أصبحت مجرد تعليقات على ما تتخذه الإدارة الأميركية من قرارات حول هذه القضايا العربية المصيرية. وفي الكثير من الأحيان تأتي هذه التعليقات بالموافقة والإشادة والدعم، ونادراً ما نرى وجود أي شكل من أشكال النقد ناهيك عن الشجب أو الإدانة.

وثالثاً، تأتي مسألة على درجة كبيرة من الأهمية رغم غيابها تماماً عن دوائر النقاش وهى تتعلق بمدى خوف العرب من أميركا.

صحيح أن أميركا أكبر قوة في التاريخ المعاصر، وصحيح أن أميركا يمكنها أن تبطش بأي كان، وصحيح أننا لدينا العديد من التدخلات الأميركية في الكثير من مناطق العالم العربية وغير العربية، لكن ذلك لا يبرر في النهاية ذلك الخضوع العربي شبه المطلق للولايات المتحدة الأميركية.

فمن الممكن أن تخاف دولة من أخرى وتعمل لها ألف حساب، لكن الشيء الغريب هو أن تصدق دولة عن طيب خاطر كل ما تقوله الدولة الأخرى الأكثر قوة، حتى وهى تتبجح ليل نهار بقدرتها على استباحة هذه الدولة واحتلالها.

لا يعني ذلك الدفع بالأمة العربية لمحاربة أميركا، لكنه يعني بوجوب ضرورة التقييم الحقيقي لدور أميركا السلبي في المنطقة، وانحيازاتها الصارخة للدولة الصهيونية.

وهو الأمر الهام الذي تفتقده الأمة العربية المعاصرة، حيث يغيب أي تصور عربي حقيقي للتعامل مع أميركا. وهو ما يفسر لنا كيف أن البعض في العالم العربي يتوحد بأميركا توحداً تاماً وشاملاً حتى وهو يعلم تمام العلم بأنه يضر بنفسه قبل الآخرين بما يشبه الانتحار السياسي.

من الضروري في المرحلة القادمة أن يخرج العرب عن حالة التصديق المفرط للولايات المتحدة الأميركية، ويدركوا ضرورة التعامل البراجماتي معها بمنطلق سوء الظن المسبق الذي لن يكون هنا وفقاً لشواهد وأدلة التاريخ الطويلة إثماً بأي حال من الأحوال.

كاتب مصري

moc.liamtoh@mizaledbahelas