رغم نفي الجنرال مشرف للإشاعة القوية التي سادت الأوساط الباكستانية بوقوع انقلاب ضده بقيادة رئيس الأركان أدى إلى تحديد إقامته، إلا أن الواقع يؤكد أن ما قد وقع بالفعل هو بمثابة انقلاب عسكري ضد الجنرال مشرف، ولكن الذي قام به ليس رئيس الأركان، وإنما الجنرال مشرف نفسه!
فالكثير من المراقبين يرون في إعلان حالة الطواريء انقلابا ثانيا للرئيس الباكستاني رغم النفي السابق للحكومة، ورغم معارضة المحكمة العليا والأوساط السياسية والشعبية والحقوقية، وتحذيرات حلفاء الجنرال الإنجليز الأميركان في حربهم «ضد الإرهاب» التي تحولت إلى عمليات للإرعاب ضد قبائل باكستان وأشقائهم في أفغانستان.
الانقلاب الأول وقع منذ ثماني سنوات ضد الحكومة المنتخبة ديمقراطيا برئاسة نواز شريف، وحاول التخلص من معارضيه الرئيسيين رئيس الحزب الإسلامي، ورئيسة حزب الشعب فاعتقل شريف ووجه إليه اتهامات ثم نفاه للخارج، وكانت بنازير بوتو هى الأخرى موجه لها عدة اتهامات ومنفية في خارج باكستان.
ومنذ هذا الانقلاب الأول وباكستان تواجه الأزمات والتحديات الداخلية والخارجية،وحجم الغضب والاحتجاجات الشعبية تتزايد ضد الحكم العسكري، باعتباره أولا عقبة ضد التطور الديمقراطي خصوصا وأن حكومات الجنرالات العسكرية، حكمت باكستان لسنوات أطول من الفترة التي حكمت فيها حكومات مدنية منتخبة من الشعب.
وفيما استقر النظام الديمقراطي السياسي في الهند منذ انفصالهما عام 47، تقاطعت الانقلابات العسكرية مع الحكومات المدنية في باكستان،بدءا بانقلاب الجنرال أيوب خان، ومرورا بانقلاب الجنرال يحيى خان، ثم انقلاب الجنرال ضياء الحق على الحكومة المنتخبة ديمقراطيا برئاسة ذو الفقار علي بوتو والد بنازير بوتو.
وفى حين تأخذ الأوساط الغربية الديمقراطية على باكستان الإسلامية هذه الممارسات اللا ديمقراطية وزيادة تدخلات العسكريين في الحياة السياسية، في حين تشيد بالهند العلمانية لاحترامها الديمقراطية، يبدو مهما أن نتذكر أن كل الجنرالات الذين حكموا باكستان بانقلابات على المسار الديمقراطي كانوا مدعومين من الولايات المتحدة وموالين لها بعكس الحكومات المدنية!
بل إن الاضطرابات والاحتجاجات التي شهدتها وتشهدها باكستان واتسعت رقعتها إلى كل معظم الأوساط بحيث لم تعد التيارات الإسلامية وحدها في مواجهة الديكتاتورية بل امتدت للحركات الديمقراطية والعلمانية والحقوقية والصحفية أيضا، إنما هى نتيجة للتحالف القائم بين النظام العسكري والإدارة الأميركية تحت عنوان الحرب على ما يسمى أميركيا «الإرهاب الإسلامي الفاشي»!
من هنا فإن المأزق الذي تواجهه أميركا الآن، حامية حمى الديمقراطية في العالم والداعمة الأولى لحكم الجنرال في ظل انفلات الأوضاع وخروج الاحتجاجات الشعبية والسياسية ضد نظام الجنرال عن نطاق السيطرة هو في كيفية الظهور بمظهر مقبول أمام الرأى العام الباكستاني والمواءمة بين التنديد بإجراءات الجنرال والحفاظ على استمرار التعاون معه لحاجتها إليه للمساعدة في حل مأزقها الأكبر في أفغانستان.
ولهذا لم تصل الإدانة الأميركية للانقلاب الثاني لمشرف إلى حد إعلان القطيعة بل إدانة مشفوعة بنصيحة بقبول العودة للدستورية وإجراء الانتخابات العامة في موعدها، و كانت قد رتبت لها قبل إقدام مشرف على إعلان حالة الطواريء وذلك باستدراج بنازير إلى اتفاق لاقتسام السلطة مع مشرف، وفك اتفاقها مع شريف للعمل معا لإعادة الديمقراطية، وبذلك تضمن واشنطن تحالفا عسكريا علمانيا ضد الحزب الإسلامي في باكستان الإسلامية.
أما الرئيس برويز الذي يصر على صفة الجنرال قائد الجيش مما أفسد تحالفه مع بنازير، والذي لم تصادق المحكمة العليا حتى الآن على شرعية انتخابه رئيسا، فعلى ما يبدو أنه استبق بإعلان حالة الطواريء قلقه من صدور حكم المحكمة بعدم الشرعية.
وبالتالي فإنه في ظل الطواريء يستطيع اعتقال كل المعارضين والبقاء في الحكم سواء بتأجيل الانتخابات أو بإجرائها في ظل خسارته لأنصار بوتو ولأنصار شريف وللقضاة والمحامين والصحفيين.وفى ظل أوسع الاحتجاجات والاشتباكات رغم الطواريء، وأكبر معارضة لحكم الجنرال.
وفى هذه الحالة يبدو أن السؤال.
إلى أين تتجه باكستان بعد الانقلاب الثاني؟!
مجهول الإجابة!