ما إن تحدد ـ ولو بصورة مبدئية ـ يوم 26 الجاري لانعقاد مؤتمر أنابوليس، حتى بدأت تنهال عليه عصي التخريب الإسرائيلي بهدف نسف أية احتمالات نوعية، ولو باهتة، يمكن أن يخرج بها. بل ربما بهدف نسف انعقاده أصلاً، إذا أمكن. مع أنه، في أحسن أحواله، لن يكون، وفق أشد التوقعات تفاؤلا، أكثر من انطلاقة لعملية تفاوض، رفضت إسرائيل ربطها بسقف زمني محدد.
هجوم تهويلي وتهبيط حيطان، في إطار حملة يبدو أنها تستهدف تحريض الرأي العام الإسرائيلي ضد أي تفاهم بشأن العناوين، مع الجانب الفلسطيني. رافقه هجوم استيطاني يرمي إلى خلق أمر واقع معرقل على الأرض. وفي ذات الوقت إلى زيادة تأزيم الوضع الفلسطيني؛ عشية المؤتمر.
في هذا الصدد كان من الملفت ما نقلته صحف إسرائيلية على لسان مصادر استخباراتية إسرائيلية، تتوقع الفشل الذريع، لهذا اللقاء؛ وتقول إن حظوظه في النجاح تقارب الصفر.
وطبعا كالعادة يضع هذا السيناريو المسؤولية على الجانب الفلسطيني؛ بزعم أنه غير قادر على تنفيذ المطلوب منه في مجال المرحلة الأولى من «خارطة الطريق» وحسب التفسير الإسرائيلي أو بالأحرى حسب المفهوم الإسرائيلي المطلوب من الفلسطينيين إشعال نار حرب أهلية. يعني أن يمارسوا فعل الانتحار.
ورافق ذلك إشاعات ـ سارعت السلطة الفلسطينية إلى نفيها ـ مفادها أن الرئيس عباس العائد من مؤتمر فاشل لن يكون أمامه سوى الاستقالة والذهاب إلى بيته!
أما قوى اليمين الإسرائيلي وبعض رموزه فقد ذهبت في حملتها إلى حد تشبيه المؤتمر بالبعوضة ـ أنابوليس مثل بعوضة أنوفوليس التي تنقل وباء الملاريا ـ؛ وتسخيف فكرته أصلاً من خلال تصويره على أنه سعي لعقد سلام مع «شريك وهمي في عالم وهمي للسلام»؛ حسب تعبير بنيامين نتانياهو.
كل هذا الزعيق الإسرائيلي والموضوع لا يزال حبراً على ورق. والزاعقون أنفسهم طالما تحسروا، ماكرين طبعاً، لغياب مفاوض فلسطيني يفاوضهم حول السلام! والآن عندما جاء هذا المفاوض؛ كما سبق وجاء مراراً من قبل؛ صار وهماً!
لكن إذا كانت قصة المكر الإسرائيلي والتهاون الأميركي معه معروفة وليس فيها من جديد؛ إلا أن واقع الحال الذي بلغه التفسخ الفلسطيني وفي هذه اللحظة بالذات؛ بات يدعو إلى التحسر بل إلى التخوف من الأدهى. فهو اليوم في وضع مفجع. أمامه مؤتمر يستعد لحضوره وهو في حالة قطيعة بين خندقيه. بل هو يبدو على عتبة انفصال، بدأت تتكون ملامح مأسسته.
نواب حركة حماس يعقدون اجتماعاً في غزة. يأخذون قراراً باعتبار كافة قرارات رئيس السلطة التي اتخذها من دون عرضها على المجلس التشريعي ـ الذي لم ينعقد منذ حسم الوضع في غزة الربيع الماضي ـ لاغية.
مصادر السلطة، من جهتها، تلوح بإمكانية أخذ قرار بحل المجلس والدعوة إلى انتخابات وفي هذه الحالة يصبح الوضع مهدداً بقيام مجلسين وبالتالي سلطتين واستطراداً كيانين (!) إذا ما اتخذت الأمور هذا المنحى اللارجوعي.
نذر التخريب على أنابوليس، لتجويفه، قبل انعقاده، تتوالى إسرائيلياً وبسرعة. وبموازاتها تتسارع خطى التفكيك الفلسطيني الداخلي. الواحد يغذي الآخر.
الحصيلة مراكمة الأرباح الإسرائيلية، مقابل زيادة الخسائر الفلسطينية. وهي حصيلة مرشحة للتفاقم في شقها الفلسطيني بخاصة، إذا انتهى أنابوليس إلى حيث انتهى ما سبقه من مؤتمرات؛ من دون أن تستعيد الساحة الفلسطينية بعضاً من عافيتها.