من المآخذ التي أخذها الأميركيون والإسرائيليون على الرئيس الفلسطيني محمود عباس انه منح حركة حماس فرصا كثيرة بل ودعم حكومتها ثم وقع اتفاق مكة معها ثم شكل حكومة وحدة وطنية إلى أن استولت على غزة..

وبعد ذلك طلب الأميركيون منه تعهدا بعدم محاورة حماس وكذلك فعل الإسرائيليون، وظل ابومازن عند تعهده، لكنه صار يفاجأ باتصالات ولقاءات بين مسؤولين من حماس وضباط كبار في وزارة الجيش الإسرائيلي وثمة تسجيل صوتي لأحد مسؤولي حماس يطلب من نائب زير الجيش الإسرائيلي متاي فيلنائي الحوار مع حماس، وثمة لقاءات عقدت بوساطة نرويجية في وزارة الجيش في تل ابيب بين حماس ومسؤولين إسرائيليين ولقاءات على حاجز ايرز.

ويقول مسؤول فلسطيني انه عندما تضرب حماس حركة الجهاد في غزة فهذا مؤشر على أن ثمة تفاهما بين إسرائيل وحماس بشأن وقف إطلاق الصواريخ، ومع أن الاشتباكات وقعت لكنها لم تصل إلى درجة الحسم بينهما لأن ثمة ضابط علاقات بينهما في دمشق أو طهران له مصلحة في عدم وصول الأمور بين الحركتين إلى نقطة الاقتتال والحسم.

حركة حماس تنطلق في ذلك من حاجتها إلى فك الحصار المفروض عليها والذي جعلها مجرد قوة بوليسية في غزة تجبي الضرائب بالقوة لتمويل نفسها وتعتمد على التهريب عبر الإنفاق.

وكان الإسرائيليون اثاروا في وقت سابق مسألة الأنفاق واتهموا مصر بالتساهل مع حماس ووصل الأمر بهم إلى اتهام السلطات المصرية بإدخال عناصر حماس عبر معبر رفح، وغض الطرف عن تهريب البضائع والأشخاص مقابل عدم إقامة صلات بين حماس والإخوان المسلمين في مصر.

وهذا الاتهام وصل إلى الكونغرس ونوقش ما حدا بالمصريين إلى اتهام ضباط إسرائيليين بتسهيل تهريب الأسلحة إلى حماس لأن الأسلحة المستخدمة لدى حماس وغيرها هي بنادق أميركية إم 16 فيما ان هذا السلاح غير موجود في مصر. وفي النهاية قرر الكونغرس إيفاد مسؤول أميركي لمراقبة الحدود بين مصر وإسرائيل.

ولا تستطيع مصر ضمان أمن الحدود بحوالي 950 شرطيا وفقا لاتفاق كامب ديفيد الذي يحدد عدد رجال الشرطة المصريين وتطالب مصر بالسماح لها بإدخال قوات إلى الحدود لضمان أمنها أي تعديل معاهدة كامب ديفيد وهذا ما يرفضه الإسرائيليون لأن التعديل قد يسمح لمصر بتواجد عسكري على الحدود.

السلطة الفلسطينية هي المتضرر الأكبر من كل هذا فهي مع محاصرة حماس لكنها ليست مع محاصرة غزة كسكان، والإجراءات العقابية الإسرائيلية تضر عمليا بالسكان أكثر، فهناك بطالة مرتفعة وهناك الآلاف من العالقين في غزة من الضفة الغربية ولا يستطيعون العودة وهناك الآلاف من المرضى والطلبة والموظفين العاملين في الخارج لا يستطيعون الالتحاق بالجامعات والمستشفيات وأماكن عملهم وهناك العالقون في العريش ولا يستطيعون العودة إلى غزة.

وهذا الوضع الإنساني يحتاج إلى حل جذري لا يبدو انه في الأفق وقد زاد الوضع سوءا الحصار الإسرائيلي الذي فاقم من الوضع الاقتصادي حيث اختفت السلع وخفض الإسرائيليون عدد السلع المسموح بدخولها إلى خمسة أصناف فقط وصار سعر كيس الاسمنت أغلى من كيس الدقيق وثمة رسوم تستوفيها حركة حماس على السجائر وغيرها من السلع ما ضاعف الأسعار أكثر من مرة.

وهناك تقنين نقل الوقود والتهديد بتخفيض الكهرباء كل هذا يضع حركة حماس أمام خيار فك الحصار بأي ثمن ولعل محاولاتها للحوار مع الاسرائيليين من زاوية عسكرية أمنية يندرج في هذا السياق فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية معنية حقا في وقف إطلاق الصواريخ من غزة التي تسبب لها إزعاجا رغم عدم وقوع خسائر مادية أو بشرية.

ولهذا ربما جسوا نبض حماس لدفعها إلى إخراس الصواريخ. كما أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لا تبدي ثقة بقدرات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية من حيث فرض الأمن ومنع العمليات، ويتهم مسؤولون فلسطينيون وزير الجيش ايهود باراك بعرقلة نشر قوات الأمن الفلسطينية في المدن مثل نابلس الأكثر اضطرابا والتي تعتبرها إسرائيل مصدر التخطيط للعمليات ضدها.

وكانت السلطة نجحت في تحييد مئات المقاومين وتسلمت أسلحتهم وكلهم من حركة فتح لكن القوات الإسرائيلية واصلت اقتحام المدينة ومخيماتها..

كما واصلت سياسة التوغلات في القرى والمدن وهدم المنازل والاغتيالات ورفضت نقل قوات فلسطينية إلى نابلس إلا بعد تدخل أميركي واضح من المبعوث الأمني الجنرال كيت دايتون الذي نسق العملية لتنفذ في الأسبوع الأول من نوفمبر حيث ستتحرك وحدة قوامها 500 جندي من اريحا إلى نابلس.

السلطة تحاول فرض الأمن والقانون ومكافحة العمليات ونزع السلاح من أيدي النشطاء وفقا للمرحلة الأولى من خارطة الطريق وقبل مؤتمر الخريف في انابوليس بالولايات المتحدة حتى تستطيع الادعاء بأنها أنجزت التزاماتها ضمن خارطة الطريق وتلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي الذي لم ينفذ حرفا من هذه المرحلة كتجميد الاستيطان ووقف العمليات وفتح المؤسسات الفلسطينية المغلقة في القدس المحتلة.

وقد يكون هناك توافق مصلحي بين جنرالات الجيش وحركة حماس في إفشال مؤتمر انابوليس حيث تعارض حماس بقوة هذا المؤتمر الذي يهمش دورها في القضية الفلسطينية وثمة تيار إسرائيلي يريد الالتفاف على المؤتمر بأن يجعله مجرد بداية للمفاوضات دون تحديد جدول زمني لها ودون تحديد واضح لتفاصيل القضايا التي سيجري التفاوض حولها.

فالكل له مأرب في بلبلة الأمور باستثناء الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يحاول وبثبات الصمود عند موقفه القديم وهو لا تنازل عن الثوابت، فهو ما زال يصر على إقامة دولة في حدود الرابع من حزيران 1967 وإذا جرى تعديل أو تبادل للأراضي فيجب ألا تزيد النسبة عن 5 .1 في المائة وان قضية اللاجئين مقدسة .

ويجب بحثها وليس استبعادها وسبق وان جرى تفاهم في مؤتمر كامب ديفيد بين ياسر عرفات وايهود باراك وبيل كلينتون حولها يتضمن عودة 100 ألف لاجئ فلسطيني من لبنان خلال ثلاث سنوات وتعويض للآخرين وللدول العربية التي يقيمون فيها.

كما أن قضية القدس سبق وان بحثت وثمة تفاهمات مبدئية حول مبدأ ما للعرب للعرب وما لليهود لليهود. كل هذه الأمور يريد ابو مازن تثبيتها..

وهو عمليا زاهد في الرئاسة إذا لم يستطع تثبيت موقفه هذا.. ويقال انه يسعى إلى إعادة ابوماهر غنيم عضو اللجنة المركزية لحركة فتح من تونس وتعيينه نائبا له..

ربما لأن ابو مازن الدبلوماسي الناعم والذي اتهم بالتنازلات في الاتفاقات السابقة يريد تأكيد صلابته في مفاوضات الوضع النهائي فلا يرى أي مجال للتنازل.

وهو ما شرحه باستفاضة إلى كونداليزا رايس في زيارتها الأخيرة وشرح لها بالتفصيل الممل على مدى ست ساعات القضية الفلسطينية وعلى الخرائط. ابو مازن عمليا يربط مصيره السياسي بمؤتمر انابوليس. فإما أن تكون دولة فيكون وإما لا تكون فلا يكون.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ــ فلسطين