زيارة العاهل الإسباني، خوان كارلوس، إلى مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين في شمال المغرب، تطرح أكثر من علامة استفهام وتعجّب. بل هي، في توقيتها وظروفها، تبدو غريبة ومستهجنة؛ إذ ليس هناك تفسير أو مقدمات تجعل منها خطوة مفهومة. حتى لا نقول مقبولة. فما الذي عدا مما بدا وما هو الداعي لتحريك ملف بالغ الحساسية وشديد الاشتعال؟

وضع المدينتين المعروف والمختلف عليه، بين المغرب وإسبانيا؛ لا يحتمل تسليط الأضواء عليه بهذه الفجاجة. طبيعته المرتبطة بالإرث الاستعماري القديم لا تسمح بذلك من دون ردود فعل رافضة وغاضبة، تزيد من منسوب التوتر في العلاقات بين البلدين. فهل كان ذلك هو المقصود؟ وإلا ما الغاية؟

الملك كارلوس يقول إن زيارته للمدينتين اللتين تشكلان جزءاً من الأراضي المغربية ـ والتي تبعد احداهما «مليلية» 500 كم عن شواطئ إسبانيا ـ جاءت من باب التأكيد والواجب. وفي الوقت ذاته يبدي العاهل الإسباني رغبته في توطيد «علاقات الصداقة القوية مع دول الجوار»!

والمعروف أن جولته تأتي على خلفية تطور وتحسّن شهدته علاقات المغرب وإسبانيا. وبالتحديد منذ مجيء رئيس الوزراء الحالي ثاباتيرو، كما تربط البلدين، بالرغم من الوضع غير الطبيعي للمدينتين، معاهدة «صداقة وحسن جوار».

في ضوء ذلك كان من المنطقي والمتوقع أن يصار إلى الابتعاد عن أية خطوات أو مبادرات من شأنها أن تنعكس سلباً على هذه الحالة، بل كان المفروض القيام بكل ما من شأنه أن يصب في تعزيز أجواء التقارب.

وتوفير أسباب التطوير، وبما يؤدي بها إلى إنضاج الظروف الملائمة لتصفية هذا الملف؛ بما يعيد السيادة المغربية إلى نصابها ويحفظ في الوقت ذاته المصالح الإسبانية.

للأسف ما حصل أدى إلى النقيض. الرأي العام المغربي رأى في الزيارة استفزازاً لمشاعره الوطنية. ترجم ذلك بالتظاهرات التي شارك فيها مواطنون مغاربة عند الخطوط الفاصلة مع المدينتين والتي قامت السلطات الإسبانية خلالها باعتقال رئيس لجنة الصداقة الإسبانية ـ المغربية.

السكان المغاربة في المدينتين أعربوا بصورة أو بأخرى عن استيائهم من المعاناة التي يعيشونها، في ظل السلطة الإسبانية. مجلس النواب المغربي ندد هو الآخر بالزيارة؛ ولو أنه دعا إلى «فتح حوار» بين البلدين على أرضية «الاحترام المتبادل وبأفق العمل على تصفية الاستعمار».

كذلك فعلت الحكومة، التي اعتبر رئيسها أن زيارة الملك كانت «غير لائقة ومرفوضة»، مشدداً على أن «زمن الاستعمار قد ولى من دون رجعة».

ثم جاءت ذروة الردود في كلام العاهل المغربي، الملك محمد السادس؛ عندما وصف الزيارة بـ «المؤسفة» وبأنها تمثل «توجها غير صائب» وخطوة «غير مجدية تسيء إلى المشاعر الوطنية الراسخة لدى جميع مكونات الشعب المغربي».

وبذلك كان هناك إجماع مغربي، شعبي ورسمي، على رفض الزيارة والتنديد بها. ترجمة ذلك: خسائر صافية للعلاقات الإسبانية ـ المغربية وإطاحة بكل ما حققته وراكمته مؤخراً من إيجابيات.

جولة سبتة ومليلية التي يبدو أن تمديد فترتها لمدة يومين لم يكن صدفة، كانت في غير محلها؛ إذا كانت الأمور تقاس بنتائجها؛ وإذا كان المطلوب بين دول الجوار هو تعزيز العلاقات وليس توتيرها وخلق أسباب النفور بينها.

والمؤسف أنها أخذت طابع نكء الجراح؛ لأنه لم يكن لها لزوم. بالعكس ما كان لازماً هو اجتنابها ريثما ينضج وقت الحل والخلاص من هذه الوضعية الشاذة التي لم يعد يتقبلها العصر.