كثر هم الفاعلون الحقيقيون في صناعة الحروب الأميركية فقد تأسس لأجل الحروب عشرات اللوبيات لوبي صناعة السلاح والشركات، ولوبي النفط (إذ تملك الشركات الأميركية حوالي 65% ـ 70% من احتياطيات النفط في الشرق الأوسط)، واللوبي اليهودي، وتجار الحروب من المحافظين الجدد. ومؤسسة «الدفاع عن الديمقراطيات»، إضافة إلى معاهد ومراكز أبحاث منها معهد أميريكان إنتيربرايز، ومؤسسة راند.
ولكن عند الحروب وفي أعقابها تسيطر الشركات على المشهد فتجعلنا في مواجهة «حروب الشركات أو شركات الحروب» فمن هاليبرتون إلى بلاك ووتر، ومن أونوكال إلى شيفرون، فالمجمع الصناعي العسكري، إلى غيرها مما عرفناه وما لم نعرفه، على أن ما يجمع بينها أنها جميعاً سلسلة شيطانية لشركات عملاقة متخصصة بصناعات الموت والسلاح والحروب،
شركات تمسك بتلابيب القرار العسكري الأميركي، فتمارس الفساد والإفساد في الأرض والحرب والقتل والإرهاب، وكلها حصدت أرباحاً وإيرادات سنوية بأرقام فلكية، بل إن إيراداتها تفوقت على إيرادات دول عظمى ذات اقتصادات عملاقة، علماً بأنها مرشحة لمزيد من التضخم مع ازدياد الهيمنة ومأسسة النهب !!
فهاليبرتون وحدها ربما تعطي المثال الصارخ لحالة حروب الشركات بل إن علاقتها بالجيوش والحروب قديمة تعود إلى الحرب العالمية الثانية، وقد تصل إيراداتها السنوية إلى حوالي (46. 20) مليار دولار، حيث اتخذت من صناعة النفط تخصصا رئيسياً لها، إذ تقوم بكافة العمليات من التنقيب وبناء المنشآت وبناء مصافي البترول وتمديد أنابيب النفط والغاز الطبيعي،
وتقديم الخدمات والاستشارات الفنية لشركات البترول والغاز الطبيعي، أما في المجال اللوجستي فتتولى توريد مستلزمات المعيشة للجيش، إلى جانب إنشاء المحطات والقواعد العسكرية، وبناء السفن، وفي العقد الأخير توسعت في أنشطتها، حتى أنها تغولت وتمادت علواً في الأرض، واستثارت الجدل.
ففي العراق وصفت الحرب الأميركية على العراق بأنها «حرب هاليبرتون»، حيث كانت أحد لوبيات الضغط من أجل الغزو، فمنذ أن رسى عليها عطاء إطفاء حرائق 320 بئر بترول في الكويت في عام 1991 (التي استثارت أسئلة حول هوية الفاعل الحقيقي لحرائق آبار النفط؟)،
وهي تهيمن على حصة الأسد من كعكة المقاولات والخدمات والعقود الأميركية في العراق بل تجاوزت قيمتها عدة مليارات من الدولارات (بحسب مجلة «ايكزكيوتف انتيليجانس ريفيو» الأميركية.)، (الأمر الذي يستثير سؤالاً عن الدوافع الفعلية والمحرض الحقيقي لغزو العراق).
إن هاليبرتون وعبر منظومة متصلة من الفاسدين والمفسدين في الأرض حظيت بالنفوذ والقرار وبالتالي بالحصانة والمحاباة والتستر على تجاوزاتها من الحكومة الأميركية، رست عليها أكبر العقود من مختلف الدوائر والوزارات الأميركية
فعلى سبيل المثال منحتها وزارة الخارجية عقداً بقيمة مئة مليون دولار لبناء سفارة لها في كابول، أما البحرية الأميركية فقد منحتها عقداً بقيمة (37 مليون دولار) لبناء معسكري اعتقال في خليج غوانتانامو، في حين منحتها وزارة الدفاع عقداً بقيمة سبعة مليارات دولار لتأهيل صناعة النفط العراقية.!
شركات الحروب هذه تمارس في تنفيذها لأعمالها مختلف أشكال الفساد والاحتيال، فهاليبرتون ـ على سبيل المثال ـ باتت الأب الحديث والمتجدد لتجارة الحرب، تمارس الفساد العلني، وترتكب جرائم سرقات كبيرة، ودفاتر حساباتها غير دقيقة.
فضائحها في العراق تتوالى وسرقاتها على المكشوف، وكان من أولها في (سبتمبر/ 2003) فضيحة رفع سعر البنزين، إذ كانت «هاليبرتون» تتقاضى 64. 2 دولار مقابل الغالون الواحد لاستيراد البنزين من الكويت إلى العراق، فأضافت بذلك ما بين 4% إلى 7% على سعر كل غالون، تكبدت الحكومة الأميركية بسببها نفقات إضافية بلغت 61 مليون دولار.
فضيحة نهب أخرى نفذتها هاليبرتون بلغت قيمتها (67 مليون دولار) مقابل إمداد قوات الاحتلال الأميركية بـ «42» ألف وجبة غذائية يومية،. (قدمت ثلث الكمية المتعاقد عليها فقط) فضلاً عن أن بعضاً من الأطعمة كانت منتهية الصلاحية،
وبالغت في الطغيان حين هددت من يقومون بإفشاء تلك الأسرار بالنقل إلى منطقة الفلوجة، حيث يتعرضون لخطر الموت لضراوة الأعمال العسكرية هناك «(بشهادة «ميبيري » أحد موظفي الشركة أمام الكونغرس)!!
كما تلقت هاليبرتون 66. 1 مليار دولار من خارج صندوق إعمار العراق، مقابل عمل كان يفترض أن يُدفع له من مخصصات مالية وافق عليها الكونغرس (بحسب «واشنطن بوست» في 4 أغسطس عام2004).
على صعيد آخر من الفساد حصلت مجموعة إسرائيلية كانت تقوم بتزويد القوات الأميركية في العراق بالوقود المكرر على مناقصة بلغت قيمتها 70 مليون دولار من شركة «كي بي آر» المتفرعة من «هاليبرتون (بحسب «وول ستريت جورنال»)!!،
هذا إلى جانب قيام شركة (كي بي آر) (ذاتها) بتزويد الجنود الأميركيين في العراق بمياة ملوثة لم يتم تعقيمها بالكلور، ومرة أخرى طلب موظفو الشركة من الخبير «بن كارتر» عدم إعلام الجيش بذلك.
إن من أبرز الأمثلة على وحشية خصخصة الحروب وصناعة الموت، شركة «بلاك ووتر»،، التي يعمل عناصرها وفق قواعد خاصة بهم، مما أضعف الرقابة عليها، ممارساتها تفوق في شراستها وعنفها كل ممارسات وعنف الجنود الأميركيين،
ورغم قذارة المهمات التي ينفذها مرتزقتها فإن بلاك ووتر تتمتع بحصانة، وفضلا عن ذلك كله فإن أجور أفرادها تفوق كثيراً أجور جنود الجيش الأميركي، فبات يكرههم الجنود الأميركيون، كما يكرههم العراقيون.
أما مجموعة لويس بيرجر وهي شركة هندسية عالمية أنشِئَت في عام 1953. وتقدم خدمات هندسية مدنية وبنائية وميكانيكية وكهربائية وبيئية، في بداية الثمانينات اِشتركت في فريق تصميم قاعدة أفدا الجوية بإسرائيل التابعة لوزارة الدفاع والتي بنيت بعد إبرام اِتفاقية السلام بين إسرائيل ومصر،
بعد الحملة العسكرية الأميركية في أفغانستان تم الاِتفاق مع هذه الشركة لتدمير العملة القديمة لتلك البلاد، وإحلال عملة جديدة في مكانها، وقد تم تعيين حوالي (2000) من المواطنين المحليين للقيام بهذا العمل، حصلت الشركة على عقد بمبلغ 300 مليون دولار لإعادة بناء الطرق بين كابول وقندهار وهيرات في أفغانستان، وفي العراق منحت هذه الشركة عقداً فيدرالياً للمساعدة في إزالة الركام عن ميناء أم قصر.
مفارقات كثيرة تبرز من بين سطور هذا المشهد الفضائحي، ومن طريف تلك المفارقات أنه بعد انتهاء عهد تشيني في وزارة الدفاع، أمضى العامين اللذين أعقبا ذلك لتقرير ما إذا كان سيترشح للرئاسة الأميركية، فشارك في معهد المشروع الأميركي؛ (مركز بحوث للمحافظين)
وشكل لجنة العمل السياسي التي ضمت مدراء تنفيذيين من عدة شركات (منها هاليبرتون وبيكتل وشركة ساينس ابليكشن انترناشيونال وكلها فازت فيما بعد بعقود في العراق) وحين لم تجمع لجنة العمل السياسي ما يكفيه من التبرعات فضل العمل في الظل. فتعاقد عام 1995 للعمل كرئيس تنفيذي لهاليبيرتون،
وعندما بدأت حملة بوش الابن الرئاسية كلفت ديك تشيني برئاسة لجنة لتتولى البحث عن مرشح لمنصب نائب الرئيس، فما كان من تشيني (رئيس اللجنة المكلفة) إلا أن اختار نفسه مرشحاً لنائب الرئيس؛ في تصرف وصفه ستيوارت سبنسر (الصديق الحميم لتشيني) بأنه «الفعل الأكثر ميكافيلية وشناعة الذي سمعت به في حياتي».
وهناك مفارقة أخرى فقد لوحظ أنه وبالرغم من أن هاليبرتون «قد تكون الشركة الأكثر فساداً وفضائحية في توقيع عقود مع الحكومة الأميركية، إلا أن سمعتها السيئة هذه لم تؤثر على عملها قيد أنملة» (بحسب تقرير لمجلة إكزيوكتيف ريفو الأميركية).
أما فيما يسمى بإعمار العراق فإن من المفارقات المؤلمة أن يقوم الأميركيون بالتدمير لتتولى شركاتهم مهمة ما يسمونه بالتنظيف والإعمار ـ وبأموال العراقيين ـ ، بمعنى أن الإعمار الأميركي للعراق بات المعادل الموضوعي للنهب المنهجي المنظم.
على أن أغرب المفارقات في (إشكالية حروب الشركات أو خصخصة الحرب) ما ذكره سام غاردنر، (كولونيل متقاعد في القوات الجوية الأميركية) بأن نجاح مقاولي القطاع الخاص في الميدان جعل من السهل جدا للبنتاغون الذهاب إلى الحرب، على اعتبار أن التعاقد مع الناس للذهاب إلى الحرب ينهي كل ما يمكن أن يثار من لغط ونقد وانقسام سياسي.
وبينما تستمر حروب الشركات التي تؤججها هاليبرتون وبلاك ووتر وغيرها وتستنزف المزيد من الدماء وتنشر الموت والخراب، وتستنزف القدرات والموارد، ورغم كل ما يثبت خسارة واشنطن لكل هذه الحروب إلا أن تجار الموت هم الرابحون !.
برلماني وخبير قانوني أردني