لا تحتاج الرموز الشامخة في تاريخ أي أمة إلى مناسبة خاصة لتذكّر بها، فهي حاضرة دوما في الأذهان والعقول، متجذرة في الذاكرة الجمعية، باقية بعطاءاتها وإنجازاتها الحية شهود عيان على ما قدمته لمعاصريها وللأجيال اللاحقة من بعدها.
وإذا كان هذا ينطبق على كل الشخصيات التاريخية المميزة، فهو ينطبق بشكل خاص على المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي رحل عنا بجسده في مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات عام 2004، ذلك أن الشيخ زايد رحمه الله حظي بإجماع عربي، شعبي ورسمي، على شخصه ومكانته ومحبته وتقديره، لم ينله غيره في تاريخ العرب الحديث، من شواطئ المحيط الأطلسي وأعماق البادية الموريتانية وحتى أقاصي أهوار العراق وشط العرب.
ولم يقف هذا التقدير والاحترام الجم عند الحدود العربية فحسب، بل امتد ليشمل العالم الإسلامي والإنسانية جمعاء. وما كان لزايد الخير أن يحصل على هذه المكانة العالية وهذا الإجماع الفريد، لولا ما تميز به من حنكة وحكمة وبعد نظر، جعلته يختص بلقب «ضمير الأمة» حيث كان المرجع الأكبر والأكثر تأثيرا عندما تشتط بينها الخلافات وتشتد حولها الأزمات.
لا يدخر جهدا ولا يضنّ بمال من اجل سلامة الأمة وصيانة كيانها وتضامنها، ومقولته التاريخية الخالدة «إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»، ما هي إلا نموذج واحد من نماذج كثيرة لا تحصى لمواقفه النبيلة ونهجه الراسخ القائم على العدل وإحقاق الحق والسعي بالإصلاح بين الأشقاء والأصدقاء،
ولم تكن أياديه البيضاء وعطاءاته الوفيرة تعرف حدودا أو تقبل تمييزا بين إنسان وإنسان، ما دام هدفها وغايتها أن تمد يد المساندة والمساعدة إلى كل محتاج أو متضرر، أيا كان انتماؤه أو موقعه الجغرافي.
وبهذا أصبحت دولة الإمارات نموذجا في التعاون الدولي وفي حسن الجوار والعلاقات بين الدول، انطلاقا من إيمانها الراسخ بمبادئ التضامن العربي والأخوة الإنسانية وأسس التعايش السلمي بين الشعوب والأمم، ما لم تضطر إلى مواجهة هجوم أو صد عدوان كما حصل مع الشقيقة الكويت حين تعرضت للغزو والاجتياح،
أما نهجه في الداخل ضمن حدود دولة العروبة والاتحاد، الإمارات العربية المتحدة، فقد حقق «معجزة العصر» في البناء والتنمية والاستقرار، وجعل الإمارات نموذجا تتوق الدول الأخرى إلى الاحتذاء به والأخذ، ولو بجزء، من نبعه الذي لا ينضب،
ويكفي أن التجربة الوحدوية لدولة الإمارات، التي أرسى قواعدها وسهر على تشييد صرحها الشيخ زايد رحمه الله، لا تزال هي التجربة الوحدوية العربية الوحيدة التي استطاعت أن تتخطى العراقيل وتصمد في وجه التحديات الكبيرة، إقليميا وعالميا، فضلا عن تحديات التنمية الوطنية التي بدأت، أو تكاد، من الصفر وكانت تبدو مستحيلة في بدايات نشأة الدولة وقيامها.
لكن صدق العزيمة وبعد النظر والإيمان العميق بقدرة الإنسان على البذل والتضحية حين تتوفر القيادة المستنيرة والإرادة الواعية والإصرار على تحدي الصعاب، هي التي جعلت قائدا مثل زايد يحقق في زمن قياسي ما عجز الكثيرون عن تحقيقه في أزمان وحقب متوالية طويلة.
ولم يكن زايد ممن يتاجرون بالشعارات الزائفة أو يجاملون بالوعود التي لا يستطيعون تحقيقها، أو لا يريدون أصلا أن تتحقق. بل كان يعمل قبل أن يقول وفعله سابق لوعوده، ولقد كان الإنسان أولا وأخيرا هو الوسيلة والغاية معا، في فكر زايد ونهجه وممارسته،
باعتبار أن «الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن» كما كان، رحمه الله، يؤمن بذلك ويؤكد عليه باستمرار، وهذا النهج الراسخ المتأصل هو الذي نشأ عليه وتربى في كنفه رجال أوفياء تسلموا الأمانة وحملوا الراية من بعده، وما دام هذا النهج قائما والعهد محفوظا فمسيرة البناء والعطاء مستمرة حتما في ازدياد ونماء.
وإذا كان المغفور له الشيخ زايد، تغمده الله بواسع رحمته، قد انتقل إلى بارئه ورحل عنا بجسده، فانه ما زال وسيظل باقيا بيننا ومع الأجيال المتعاقبة من بعدنا، بنهجه الحكيم وسيرته العطرة وبما حباه الله به من محبة في قلوب الناس، كل الناس،
وفي الحديث الشريف: «إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل إن الله قد أحب فلاناً، فأَحِبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله قد أحب فلاناً، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في أهل الأرض». ومن أحبه الله فسيكون راضيا مطمئنا عند لقاء الله.