في مؤتمراتنا العربية، بمختلف أشكالها، يبدو استخدام اللغة، وليست اللغة ذاتها، مشكلة. أتأمل كثيراً الخطاب العربي الرسمي فأجده مغرقا في «الرسمية»، طويلا ومملا في أغلب الأحيان: مقدمات طويلة وإجابات تقود إلى مزيد من البحث عن إجابة وفي الأخير «كلام على الورق» أو «كلام في الهواء»!
وفي المؤتمرات الثقافية، بكل أطيافها، في العالم العربي تغلب اللغة الفضفاضة على اللغة المباشرة وتتكرر الفكرة الواحدة من محاضرة إلى أخرى ومن متحدث إلى آخر فتجد نفسك وقد أضعت وقتك في سماع كلام مكرر وحكاية مملة.
اللغة، كما أفهمها، هي انعكاس للواقع بحراكه الثقافي والسياسي. في المجتمعات المتحررة من عقدة الرقابة، الرقابة بكل أشكالها، تأتي اللغة أكثر مباشرة وبساطة فلا تضيع في محاولة فك لغز الإجابة ولا تضطر لقراءة ما بين السطور.
في الأيام الماضية، دعيت لأكثر من مناسبة عربية وكنت أتساءل مع الأصدقاء الذين ألتقي بهم في تلك الفعاليات: هل ثمة جديد هنا؟ وتكون الإجابة، في الغالب، بالنفي فتكون النتيجة في آخر النهار: كلام في كلام:. يبدأ المتحدث العربي ـ خاصة في المؤتمرات الثقافية ـ باعتذارات أو تفسيرات تلقي باللوم على «عنوان الجلسة» أو «ضيق الوقت» أو «لم يخبرني المنظمون إلا متأخراً».
ثم تتناول «المقدمة» الشكر الجزيل على «حسن التنظيم» وعلى فكرة المؤتمر «التي تأتي في وقتها». لكنك في الأخير لا تخرج بما يفيد. المثقف العربي كثيراً ما يطالب القيادات السياسية في العالم العربي بالإصلاح وتعجيل مسارات التطوير، مطالبة مشروعة وواجب أخلاقي يأتي ضمن مسؤوليات المثقف، لكنه لا ينتبه لأهمية أن يبدأ الوسط الثقافي نفسه بإعادة النظر في خطاباته وفي واقعه،
ولهذا فإن «المشكلة السياسية» أو «المشكلة الثقافية» تأتي جزءاً من كل، في علاقة متداخلة ليس سهلاً أن نفصل بينها. صحيح أن القرار السياسي هو الأقوى في إحداث التغيير خاصة في البلدان التي يسيطر فيها السياسي على أغلب قنوات التغيير والتأثير لكن «المثقف» العربي اليوم مسؤولاً أن ينشد الإصلاح أولاً لخطابه ووسطه.
كثيراً ما تتكرر الوجوه والأسماء في أغلب المناسبات الثقافية. وبتكرار الوجوه والأسماء تتكرر نفس الأفكار والآراء فتنتقل من مناسبة إلى مناسبة ومن عاصمة إلى عاصمة فتكون واحدة من نتائج هذه الحالة أن ترى الغالبية العظمى من حضور أي مناسبة ثقافية تحتسي القهوة خارج قاعة المحاضرة وتتبادل آخر النكت السياسية، أم أن الفكرة الأساسية من مثل هذه الفعاليات هي أن يجتمع الزملاء المثقفون باستمرار لشرب القهوة و«طق الحنك»؟
في أحد المؤتمرات الأخيرة، جلست إلى جوار صديق يسخر من كل شيء حتى من نفسه. وفيما كان مدير الجلسة يقدم أحد المتحدثين «الكبار»، والكبير الله كما يقول أهل قريتي، همس صديقي في أذني قائلاً: «ستسمع عن ضرورة الحفاظ على الهوية العربية وأهمية مواجهة الخطر المحدق بالأمة وكم لعنة على العولمة وأهمية تكرار مثل هذه المناسبة». وصدق صديقي.
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، كنت في زيارة قصيرة لواشنطن وأرى بالصدفة زميل عربي عاش في واشنطن عشر سنوات متنقلاً من وظيفة بسيطة في سفارة عربية إلى وظيفة بسيطة أخرى في سفارة عربية أخرى. سألته عن أحواله فرد مستبشراً: لقد تغيرت الأحوال ثم أراني ورقتين في يده قائلاً: أحاضر الآن عن تاريخ «الأصولية» الدينية في العالم العربي!
كيف أصبح صاحبنا محاضراً في أميركا؟
في عز حماس مؤسسات أميركية كثيرة لمعرفة المزيد عن العالم العربي مباشرة بعد أحداث سبتمبر الكارثية وفي بحثها الدؤوب حينها عن أصوات عربية تشرح ظروف العالم العربي وقضاياه، فتح الله على قلب وعقل صاحبنا المقيم في واشنطن فوجد نفسه فجأة «خبيراً» في شؤون «الأصولية» وأصبح يحمل تلك الورقتين معه متنقلاً من مناسبة لأخرى ومردداً نفس الكلام مع إضافة بسيطة هنا ومقدمة أخرى هناك وهكذا.
تلك «الفهلوية» التي أجادها ذلك المهاجر العربي الغلبان وجدت بيئة ملائمة وقتها في غياب القدرات العربية الحقيقية والمؤهلة للخوض في قضايا معقدة وذات عمق تاريخي طويل. المؤسف أن تلك «الفهلوية» تبدو حاضرة بقوة في كثير من الفعاليات في العالم العربي حتى انزوى بسببها المثقف الجاد والباحث الرصين وبقيت «الأضواء» وتوابعها لفهلوية المؤتمرات ومرتادي المناسبات الإعلامية والثقافية.
فهل ينتبه منظمي مثل هذه الفعاليات، ممن يقصدون فعلاً تهيئة بيئة مناسبة لحوار مثرٍ وفعاليات ناجحة، لضرورة إعادة التفكير في طرق وأساليب تنظيم هذه الأنشطة؟ وهل نبحث فعلاً عن المثقف الرصين والمستقل والجاد ليكون صوتاً مؤثراً في فعالياتنا ومؤتمراتنا؟ وهل يفيد أن نصرخ في أذن الوسط الثقافي العربي: انظروا لحالكم؟.
رئيس تحرير مجلة فوربز العربية رئيس منتدى فوربز للقيادات التنفيذية