لعل المرء يصاب بالصدمة، وربما الذهول، حين يأتيه الجحود والنكران من حيث لا يحتسب، وتبدو صورة هذا الجحود من باب الاستعداء والاتهام ظناً بأن الاتهام سيحقق مفعوله في التوّ واللحظة، من دون سند ولا دليل، كأن الناس فقدوا صوابهم وضيعوا رشدهم.

واستمعوا إلى الاتهامات والأضاليل التي تتلبس الإحصاءات والبحث العلمي، وكأن عقولهم مغسولة من الرأي والاستنتاج والتفكير، وبدوا مسوقين باستهواء غريب ليشكلوا مواقفهم من خلال عبارات مجتزأة وشعارات ظاهرها الموضوعية وباطنها الالتواء والخبث والتزييف.

أقول هذا حين انبرت شابة التحقت حديثاً بسلك التدريس في الجامعة تهاجم المناهج المطورة بغير علم ولا معرفة، مستغلة أحد اللقاءات الثقافية الذي اجتمع فيه نخبة من مثقفي الدولة ومبدعيها، فنصّبت نفسها خبيراً في المناهج وقيّماً على الوطنية، وكادت دموعها تُسفح على مذبح الوطنية والمحلية، فأخذت تتغنى بالإمارات التي ذبحتها المناهج على حساب البعد العربي،

من دون أن تقرأ الكتب المقررة قراءة موضوعية. لقد استغلت هذه المناسبة محملة بطاقة من الحقد دلت على أن كلمتها الذاتية المدججة بالهوى هي نتاج أمر دُبِّر بليل، وأجزم أنه لا الوطنية ولا الأدب الإماراتي هو السبب الحقيقي وراء هذا الحقد الدفين، بل هي الكراهية الشخصية التي تحجب كل أفق للحوار والموضوعية بين أناس يفترضون في أنفسهم حسن النية، ويصدرون فيما يكتبون ويقولون عن رغبة في التطوير والتحسين.

أقول من المخجل أن تستغل السيدة الفاضلة منبر لقاء ثقافي رفيع المستوى، وأن تستغل عنوان الندوة الذي لا صلة مباشرة له بالمناهج، وأن تختطف الندوة برمتها لتصب نقمتها على واضعي المناهج، وتتهمهم بمعاداة الوطنية والانسياق وراء البعد العربي تنفيساً عن أحقاد شخصية، فظنت أنها قادرة على تزييف الحقائق وإظهار نفسها بمظهر المدافع عن وطننا الحبيب،

رغبة في اصطياد فرصة تتهيأ لها في أحلام اليقظة وتعبيراً عن مزايدة على من أفنى زهرة شبابه، وهو يقدم خلاصة معرفته وعلمه وتجربته من أجل نشء الإمارات، وهو الأمر الذي يعرفه كل من تشرفت بالعمل معهم، ولم يعرف عني الادعاء أو التهوين من عمل عامل مخلص. فكيف اتهام الناس بأعز ما يتصفون بها وهو وطنية الفعل لا وطنية النميمة والوصولية؟

ولابد أن أعرض على القارئ الكريم عملنا في المناهج، وهو عمل بدأ منذ أن تشرفت باختياري عضوا في لجنة وثيقة اللغة العربية لدولة الإمارات. لقد بذلت لجنة الوثيقة من أبناء الإمارات وأبناء العروبة جهدا استثنائياً في بناء وثيقة استجابت لسياسة الدولة ودستورها ورؤية 2020 تنافس الوثائق العالمية للغة الإنجليزية، ووعدتنا وزارة التربية أن توفر متطلبات النجاح من أجل تنفيذ ما جاء في الوثيقة،

وكلفتنا الوزارة من جديد أن نشارك في التأليف. ويعلم المسؤولون في وزارة التربية الجهد الذي بذلناه، والعقبات الهائلة التي وقفت في سبيلنا. حتى إنني اعتذرت عن الاستمرار في التأليف، وعدت بعد رجاء أخجلني جداً من رجل تربوي قدير، أكنّ له الاحترام العميق، هو مدير المركز آنذاك.

لقد تم بناء المناهج على أسس من سياسة الدولة التي تنفذها وزارة التربية على المعارف والمهارات والاتجاهات، ويبدو أن المكونين الأولين لم يلقيا اهتمام السيدة الفاضلة، فلم تجد من عمل قد يستحق الاهتمام والاستجابة أمام مثقفي الدولة ومبدعيها إلا أن تتملق مشاعرهم بالإلحاح على فكرة الوطنية وغياب رموز الإبداع الإماراتي، وغياب الشخصية الوطنية والهوية الوطنية،

ولم تدر الأخت الفاضلة أنّ الوزارة كانت قد وجّهت لجان التأليف آنذاك إلى أنّ البعد الوطني سيغطى في مادة التربية الوطنية كاملا، فلا حاجة إلى التركيز عليه إلا في مواضع متفرقة، حتى لا يؤدي ذلك إلى تكرار الموضوعات والتداخل بين نصوص مادة اللغة العربية ومادة التربية الوطنية. كما أنّ جهلها بأسس بناء المناهج جعلها تتحدث عن نص قصصي عن النخلة،

وتقول إنّ النص يورد النخلة خلوا من الإشارة إلى الإمارات، فلا يربطها بالدولة ولا يتحدث عن عدد النخيل في بلادنا، وأي عاقل سيورد هذا الكلام في نص قصصي؟ وهل يحتاج أي شخص أن يقول إنّ النخلة مرتبطة بالإمارات قولا مباشرا صريحا؟ وأين الفنّ القصصي حينها؟

وكيف يجرّد نص قصصي يربي الصغار على التعلق بالنخلة من الوطنية؟ لقد استغلت الفاضلة عدم اطلاع الحاضرين الكافي على المواد التي تحتويها المقررات الدراسية، وراحت في نشوة الانقضاض على الفريسة بكل الحقد وغياب الوازع والضمير، تجتزئ كلاماً تتوهم أنه يؤيد كلامها وظنت أنها حققت المراد،

بل سارت شوطاً أبعد وأشرس حين أوحت بأن المنهج يتبنى الإرهاب، وأنا أتوجه مباشرة إلى معالي وزير التربية والتعليم، وأطلب منه أن يشكل فريقاً من العلماء والمخلصين ليستخرجوا من المنهج ما يؤيد ما ذهبت إليه.

لقد ضمت الوثيقة والأوعية المدرسية نصوصاً لكتاب إماراتيين من مختلف الفنون والأعمار، ولا يستطيع أحد أن يزايد عليّ فأنا إماراتية من رأسي حتى أخمص قدمي، وقد علّمنا زايد الخير، طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جنانه، أننا من أقحاح العرب،

ولتعد السيدة الفاضلة إلى أقوال حكيم العرب في تمجيد العرب والعروبة، فالعروبة عمقنا يتغنى بها أجدادنا وآباؤنا وأحفادنا منذ سالم العويس إلى أصغر زهرة تكتب بلغة عربية رائعة بسبب هذا المنهج العظيم، ولي عودة لأتحدث عن ثمار هذا المنهج الذي لقي ترحيبا عظيما من كبار التربويين منهم الكلمات الرائعة التي سطرها عميد كلية التربية في جامعة الإمارات عن الوثيقة، ورسالة من المدارس العربية في الولايات المتحدة الأميركية تطلب شراء المناهج لإقرارها على الطلبة المسلمين هناك.

لم تعرف السيدة الفاضلة، وكثيرون غيرها، مدى الجهد الذي بذل لتخرج هذه الكتب إلى النور، لم تعرف عدد النصوص التي قرئت، والتي لا أبالغ إذا قلت إنها قد تجاوزت المئات المئات من أجل أن نصل إلى نصّ يحقق ناتج التعلم المطلوب. لقد بنيت الوثيقة على نواتج التعلم، فكان اختيار النص في كل درس من دروس العربية يخضع لمعيارين الناتج وموضوع الوحدة، ولم تدرِ،

وهي تكيل الاتهامات، أنّ لجان التأليف كانت تبدأ بنصوص الأدب الإماراتي فلا تغادره إلا إذا لم تجد ما يوافق الناتج وموضوع الوحدة في آن واحد، ولم تر كيف أننا حين نجد نصا إماراتيا نكون كمن يحتفل ابتهاجا وفرحا،

ولم تعلم أننا كنّا أحيانا نحتال على الموضوع فنسقطه من حسابنا إذا وجدنا نصا يحقق الناتج ولا يتوافق مع الموضوع. بل إننا أجلنا النص الروائي المقرر على الصف الحادي عشر بانتظار نص إماراتي وُعدنا به من إحدى مبدعات الإمارات المعروفات.

لقد انتقد المنهج من قبل الكثيرين، وكان لي مع عدد منهم حوارات طويلة معمقة، فلم أضق يوما بأي انتقاد، ولم أحتقر لحظة أي منتقد، على الرغم من علمي أنّ كثيرا مما قيل مردّه إلى قلة العلم أو سوء الفهم. اليوم تحدثني معلمات وأمهات عن ثمار هذا المنهج، ويخبرنني عن صغارهن الذين يقرؤون الصحف وهم في الثاني الابتدائي ويكتبون نصوصا بعربية صحيحة مشرقة،

كل هذا يذهب أدراج الرياح، لأن نفرا من الناس أعمت الذاتية بصائرهم، للوزارة أن تفعل في المنهج ما تشاء لكنّ هذا لن يغيّر من الحقيقة شيئا.. لقد خرج هذا المنهج إلى النور بجهود علمية مخلصة محبة للوطن وللعربية عزّ أن تجد الإمارات لها مثيلا في أي مكان. لا أقول هذا غرورا ولا استعلاء، وإنما أقوله ثقة بعلمي وعلم من عمل معي، وثقة بإخلاصنا وحبنا لوطننا الغالي.

جامعة الإمارات

ltfibrahim@yahoo.com