هكذا عيني عينك، وبأسلوب يخلو من اللياقة واللباقة الدبلوماسية والسياسية في العلاقات بين الدول، تتكشف حقيقة المواقف الأميركية الدائمة والفرنسية المتغيرة تجاه العرب والمسلمين عموما وتجاه لبنان وسوريا خصوصا لتبدو مكونات الصورة واضحة بغير رتوش.
فبينما كان الزعيمان اللبنانيان «ميشيل عون» و«سعد الحريري» يتفاوضان في «باريس» للبحث عن تسوية سياسية لبنانية للأزمة الرئاسية، وبينما كان الوزيران الفرنسى «كوشنير» والسوري «وليد المعلم» يستعدان للقاء لبحث إمكانية التوافق الفرنسي السورى لدفع الموالاة والمعارضة إلى التوافق حول مسألة انتخاب رئيس جديد للبنان.
نرى الوزيرة الأميركية «رايس» وهى في طريقها إلى اسطنبول وقبل اضطرارها هناك إلى مقابلة نظيرها السوري «وليد المعلم» لحث سوريا على عدم التدخل لصالح المعارضة، تتدخل هي بكل قوة لصالح الموالاة،
وتعلن عن معارضة أميركا لأي «تسويات سياسية» بين اللبنانيين من شأنها تقديم تنازلات من الموالاة للمعارضة، و«عدم دفع الموالاة (المعارضة لسوريا) نحو موقع يؤثر على برنامجها» في التسوية مع المعارضة (الموالية لسوريا)!.
والمثير للاستهجان أنه برغم أن بلادها تبعد آلاف الأميال عن لبنان وسوريا لم تشعر بالحرج وهى تتدخل بشكل سافر في الشأن اللبنانى، بينما هي ورئيسها لا يكفان عن تحذير الأشقاء العرب ودول الجوار اللبناني من التدخل، (ربما ظنت أن غزوها غير المشروع للعراق يجعلها أحد الجيران)،
بل تصورت أن علاقتها الخاصة بأحد أطراف الأزمة اللبنانية يسمح لها أن توجه بوصاية غير مقبولة تعليماتها للموالاة التي تعتبرها (الموالية لواشنطن) للتشدد في مواقفها مع المعارضة (المعارضة لواشنطن وتل أبيب) ولتذهب التسوية والتفاهم اللبناني إلى الجحيم!
والأدهى من ذلك أن تقوم رئيسة الدبلوماسية الأميركية بتوجيه دروسها التعليمية للرئيس اللبناني ولسياسته المقبلة قائلة» على الرئيس أن يدافع عن سيادة واستقلال لبنان، وان يحترم قرارات مجلس الأمن الدولي، وان يعد بالمضي في تشكيل المحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين بقتل الحريري..
وأن، وأن، ان«، بحيث لم يبق لها إلا أن تحدد شكل الرئيس ولونه واسمه بل وتصيغ له اليمين الدستورية التي سيقسم عليها، وبينما شرعت أميركا (بمعارضة التوافق مع المعارضة) في الضغط على من يمكن أن يقبل الاستجابة لطلباتها على حساب واجب الاستجابة لمتطلبات التوافق الوطني البديل عن انزلاق لبنان إلى خطر الفراغ الدستوري
أو المواجهة أو المجهول المنذر بالأخطر، برغم دعوة الزعيم اللبناني نبيه بري لسكرتير عام الأمم المتحدة بأن يمارس ضغطه على الوزيرة الأميركية رايس لدعم الاتجاه إلى التوافق في لبنان قائلا له: «اغرب ما يقال الآن أن التوافق ضد مصلحة لبنان.. والرد بسيط جدا على هذا الكلام، بل إن التوافق هو لمصلحة لبنان وكل اللبنانيين»،
وجدت الوزيرة الأميركية نفسها تفاجأ بموقف توافقي سوري فرنسي آخر بشأن لبنان مثيرعلى ما يبدو للانزعاج الأميركي مما بدا تباينا في المسافات بين وزيري خارجية البلدين الحليفين من سوريا ومن وحدة لبنان الوطنية، ومن استقلال القرار السياسي اللبناني بعيدا عن أي تدخل أجنبى، ومن سلام لبنان من مخاطر حرب أهلية بين الفرقاء.
.. وفيما يبدو أن رايس المخضرمة نسيت الدبلوماسية بتصريحاتها غير الدبلوماسية، بدا «كوشنير» غير المخضرم يحاول الاستيعاب تدريجيا لأصول اللعبة، لكن الحليفان اللذين «يتقاسمان الهدف ذاته في لبنان وتجاه سوريا»، ما زالا هما الأكثر تدخلاً في شؤون لبنان ونسيا الأسطوانة المشروخة التي رددوها: «أنهما لا يتدخلان في شؤون لبنان
بل يساعدان الأطراف على الحوار والتفاهم لحل مشاكل لبنان، وأنهما ضد التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للبنان، وأنهما يعملان من أجل استقلال وسيادة وسلام لبنان! يا سلام! وأخيراً.. أليس معلم نفسه في الغرب أولى بالاحترام من معلم الناس في الشرق .