بقدر ما تعاني دول الشرق الأوسط من معضلات داخلية ومن رهانات خارجية يدركها اغلب القادة وتقع تحت وطأتها الشعوب.. إلا ان المسألة الإقليمية لم يحسب لها أي حساب كما يجب خصوصا وهي الأخطر على مصائرنا، فمشكلاتنا الداخلية يمكن ان يتم التفاهم عليها، والرهانات الخارجية تبقى طارئة وتعيش في إطار الزمان لا المكان..

اما المسألة الإقليمية فهي التي تتحرك في الزمان والمكان والمجال معا.. وإذا كانت المسائل الإقليمية في العالم قد عاشت حروبا طاحنة واستطاعت ان تستقر لمعرفة كل طرف بحجم الآخر والوعي بالمصير من خلال المصالح المشتركة، فإن أسوأ ما يعانية الشرق الأوسط يتمثل بصراعات قديمة متجذرة، وانعدام ثقة، ودور إسرائيل، واختلاف سياسات، واطماع حكومات ودول..

ناهيكم عن تباين في التوجهات القومية والايديولوجية والسياسية وقد دخلتها اليوم الاختلافات الدينية والطائفية والمذهبية.. وحّلت انقسامات شنيعة تتمثلها احزاب وتكتلات وجماعات منها ما هو معلن ومنها ما هو خفي عن الأعين.

الكل يدرك ان في الشرق الأوسط ثلاث قوى متنافسة تلعب ادوارها منذ مؤتمر الصلح بفرساي عام 1919، هي: تركيا وايران ومجموعة الدول العربية (وكان أبرزها العراق) المتاخم للدولتين الاقليميتين بأطول حدود، وقد أطلق مصطلح «الحزام الشمالي» على هذه الدول الإقليمية التي نجحت على مدى ثلاثين سنة، أي حتى 1949 في حسم مشكلات تاريخية في ما بينها،

ولكن برزت للوجود اسرائيل في الاقليم بعيد الحرب العالمية الثانية، فاختلت المعادلة.. وكادت ان تستقر المنطقة استراتيجيا بعد عقد ميثاق بغداد (1955) واختفت مشكلات الإقليم بالتفاهم على استراتيجية اقليمية معينة، ولكن انحرف الشرق الأوسط برمته في طريق آخر اثر الانقلابات العسكرية التي توالت في أهم البلدان العربية، ونضوج التيارات القومية ليس عند اكبر شعوب المنطقة،

بل بدأت اصغر القوميات تطالب بحقوقها المشروعة في ظل حكومات لم تجد في تفكيرها الا قومياتها فقط..، ولما كان العرب في صراع تاريخي مع إسرائيل، كانت كل من تركيا وايران في تحالف قوي مع اسرائيل منذ نصف قرن..

ومع انقسامات العرب سياسيا وإعلاميا، كانت خيبتهم التاريخية في ازالة الكيان الصهيوني، فتراكمت مشكلات اضافية لم يستطع احد ان يضع حلولا جذرية لها لا في الستينات ولا في السبعينات من القرن العشرين.

ان تغيير المعادلة الاقليمية جاء هذه المرة من ايران في العام 1979 عندما سقط الشاه الذي اراد ان يجعل من نفسه شرطيا للخليج ودولة تمتلك ترسانة أسلحة قوية، وبدأت الاتجاهات الإقليمية تتبلور على نحو جديد وخطير قاد إلى التصادم الإقليمي ضمن أجندة دولية،

وكانت الحرب العراقية الإيرانية التي تعد من أقسى الحروب الإقليمية التي شهدها العالم ابان الثمانينات.. وقد اندلعت واستعرت ثم وضعت أوزارها من دون ان تسأل دول الاقليم نفسها وخصوصا دول الحزام الشمالي: لماذا الصراع الاقليمي؟ ولمصلحة من؟

وبدل ان يبقى العرب كتلة جيوستراتيجية قوية في الاقليم بدأ اشنع انقسام من الناحية الاستراتيجية بغزو الكويت عام 1990، مما مّهد لأن يصبح الاقليم كله مخترقا دوليا.. وانسحق العراق منذ العام 1991 وغدا صاحب اكبر سجل من المشاكل ليس الاقليمية فحسب، بل الدولية أيضا..

وبقيت الولايات المتحدة تطمح ان يكون لها دورها من خلال ما اسمته بـ «الاحتواء المزدوج» لكل من ايران والعراق، إلا أنها لم تفلح، فبدأت بسياسات جديدة عقب احداث 11 سبتمبر 2001. لقد بقي الرهان قويا ازاء دول الحزام الشمالي في اقليم الشرق الأوسط، إذ يعلم الجميع ان تفكك اي دولة من دول هذا الحزام، معناه تهديد للمصالح الدولية بشكل سافر.

لقد بقي الوعي بالاقليم مغيبا ليس لدى الشعوب في الشرق الأوسط كله، بل لدى الحكومات وحتى العديد من الزعماء والقادة.. وسقط العراق عام 2003 بيد اميركا وحلفائها من دون ان يدرك كل الشرق الأوسط حجم العراق ودوره الاقليمي في قلب المجال الحيوي للشرق الأوسط..

لقد نجحت ايران في ان تكون اللاعب الاقليمي باختراقاتها المتعددة لأسباب متنوعة كان في مقدمتها ـ كما اعتقد ـ دور العرب المتفكك وقوتها النافذة في أكثر من مكان في الاقليم وسكوت تركيا.. وقد زادت من قوتها السياسية والاعلامية والمخابراتية بعد احتلال العراق عام 2003.

اما تركيا فقد بقيت تلتزم الصمت وتعد العّدة السياسية والعسكرية معا كي تحقق حصتها من النفوذ الإقليمي، علما بأن تحالفا خفيا يجمع تركيا مع إيران يقول بعدم السماح للأكراد في أي نقطة من الشرق الأوسط ان يؤسسوا لهم كيانا سياسيا منفردا،

وانهم ينظرون بالريبة والشك لما تحقق للأكراد في العراق. وكما كان العرب آخر من يهتم بالشأن الإقليمي، فإن الأكراد وقوميات أخرى بدا وكأنهم قد استخفّوا بالشأن الإقليمي في ظل الحماية الأجنبية. انه جرس خطر يقرع للتنبيه، وهو لا يكف عن الرنين على امتداد نصف قرن مضى.

السؤال: ما العمل؟

ان التمزق السياسي والقومي والطائفي الذي يعاني منه كل من العراق ولبنان وما تعانيه دول عربية أخرى ناهيكم عن حجم الإرهاب الذي يجتاحها فضلا عن غيبوية الوعي بهذا الحزام الشمالي.. ان من المهم ان يتم التفاهم على اسس ومبادئ اقليمية مشتركة،

ثم فتح صفحة جديدة من العلاقات المبنية على عدم التدخل الإقليمي، وان من الأهمية بمكان معرفة ما الذي تريده الولايات المتحدة ؟ وما موقفها الحقيقي من المشكلات الإقليمية المستجدة اليوم؟ ان ثمة مشكلات قادمة لنا في الطريق لأسباب إقليمية، فهل وعينا الدرس؟ أنني اشك في ذلك!

مؤرخ عراقي

www.sayyaraljamil.com