بإعلان حالة الطوارئ يفقد الرئيس الباكستاني برويز مشرف تأييد «حزب الشعب الباكستاني» بزعامة السيدة بناظير بوتو.. القوة السياسية الوحيدة المؤثرة التي أبدت استعداداً جاداً للتعامل مع الجنرال ونظامه العسكري إلى درجة التعاون معه في إطار صفقة متوازنة لشراكة سلطوية.

وإذا كان الجنرال يرى في حالة الطوارئ أداة قوية لتوسيع دائرة القمع الوحشي وتشديده وبالتالي إسكات أصوات الأحزاب والمنظمات المدنية نهائياً فربما يكون العكس هو الصحيح. فقادة المعارضة سيدركون ـ أو لعلهم أدركوا فعلاً ـ أن الجنرال قد رمى بآخر سهم في جعبته كديكتاتور معزول جماهيرياً، ومن ثم تتجدد في أنفسهم إرادة جديدة.

مما لا شك فيه أن السيدة بوتو ندمت الآن على الصفقة السلطوية التي أبرمتها مع الديكتاتور: أن يخلع الجنرال بزته العسكرية ويصدر عفواً عن السيدة بوتو عن اتهامات فساد قديمة، وفي المقابل تأمر نواب حزبها في البرلمان الفيدرالي والبرلمانات الإقليمية بالتصويت لصالح الجنرال لضمان إعادة انتخابه رئيساً.

هذه الصفقة أصابت قيادات كافة القوى السياسية بخيبة أمل تجاه السيدة بوتو، بما في ذلك شخصيات قيادية داخل «حزب الشعب الباكستاني» فقد كان الظن أن السيدة عادت من منفاها الاختياري بعد ثماني سنوات من الغياب من أجل قيادة انتفاضة شعبية لاسترداد النظام الديمقراطي دون الدخول في صفقات أو مساومات مريبة مع النظام الاستبدادي الحاكم،

والآن وقد لجأ النظام إلى فرض حالة الطوارئ التي لن تستثني أحداً من قسوة القمع بما في ذلك السيدة بوتو وحزبها الكبير.. هل استوعبت السيدة الدرس بأن أي ديكتاتور لن يغادر السلطة بانتفاضة شعبية منظمة وطويلة النفس؟

بإعلان الطوارئ أراد الجنرال أن يستبق أمرين.. أولاً، تدجين السلطة القضائية.. وثانياً، إلغاء الاستحقاق الانتخابي المقرر له أن يحدث خلال يناير المقبل، وفي البيان الذي أعلن من خلاله فرض حالة الطوارئ برر الجنرال مشرف قراره جزئياً بما أسماه تدخل القضاء في الشؤون العامة،

وكان المغزى واضحاً من الوهلة الأولى، قضاة المحكمة العليا كانوا بسبيل إصدار حكم دستوري خلال أيام قلائل بشأن مدى قانونية العملية الانتخابية التي بموجبها أعيد انتخاب مشرف رئيساً مع احتفاظه بمنصبه العسكري كقائد عام للجيش، وربما تسرب إلى علم الجنرال أن الحكم لن يكون على الأغلب في صالحه. ومن هنا كان قرار الطوارئ الذي يشتمل على تعطيل الدستور.

هكذا نفهم لماذا أصدر الجنرال في اليوم التالي أمراً بإقصاء كبير قضاة المحكمة العليا واستبداله بقاض آخر. من الناحية الأخرى فإن حالة الطوارئ تلغي الانتخابات المرتقبة تلقائياً، وبالتالي يضمن الجنرال أنه لن يكون مضطراً إلى إخضاع نظامه الاستبدادي إلى اختبار انتخابي، ثم ماذا بعد؟

قوى المعارضة تجد نفسها الآن أمام أمر واقع. فليس أمامها خيار سوى انتفاضة شعبية في إطار جبهة وطنية عريضة، وكأنما أحس النظام بأن الوضع بات مرشحاً لتطور نوعي في هذا الاتجاه فأراد باعتقال العشرات من عناصر المعارضة القيادية إجهاض احتمال انتفاضة. هكذا دخلت باكستان مرحلة جديدة ستشهد منازلة مصيرية حامية بين النظام والشارع لكن من المبكر التكهن بالنتيجة النهائية.