كل الأنظار والأضواء كانت موجهة في الآونة الأخيرة نحو الحدود التركية ـ العراقية، كما كان التركيز مصوباً فيما سبق على الوضع الأمني وما قيل عن تحقق درجات ملموسة من التحسن في ساحته، وهي قضايا لا شك أنها استأثرت بالاهتمام عن جدارة.
لكن خلف غبار الحديث اليومي الطاغي في هذه الأمور كانت تتفاقم قضية شديدة الخطورة والحساسية: قضية النزوح والتهجير في العراق، وهي، إذا ما بقيت على حالها فإنها تهدد أية خطوات إيجابية قد ترى النور. بل هي تهدد المصير العراقي برمته.
آخر الأرقام التي ذكرها تقرير جمعية الهلال الأحمر العراقية حول النزوح داخل العراق؛ بلغت 3. 2 مليون مواطن، عدد ضرب الرقم القياسي، والملفت أن حركة النزوح سجلت في شهر سبتمبر الماضي ثلاثمئة ألف؛ وذلك بالرغم مما تناقلته التقارير عن هبوط أعمال العنف نسبياً؛ وبالتالي انخفاض عدد الضحايا، والطبيعي كان أن تهبط، تبعا لذلك، معدلات النزوح،
وربما أن تتوقف بيد أن ما حصل كان العكس، وبالتحديد في محافظة بغداد؛ التي ذكر التقرير أن نسبة المغادرين بلغت حوالي 64% وبذلك صار مجموع العراقيين الذين تركوا ديارهم إلى أماكن أخرى، في الداخل والخارج، أكثر من 3. 2 مليون نسمة.
التفسيرات تدور حول ثلاثة أسباب. أولها أن خطاب التهديدات بضرورة النزوح عن مناطق معينة لا يزال رائجا، بل متنامياً ويشكل الدافع المباشر وراء حركة التهجير. ثانيها أن الإحساس بالأمان لا يزال هو الآخر بضاعة شبه مفقودة في أوساط العراقيين الأمر الذي حد من عودة العديد من النازحين إلى ديارهم ومناطقهم
وذلك بالرغم من حالة الاسترخاء الأمني النسبي الذي بدأت تنعم به مدن وأحياء معينة، لكن عدم تواجد قوات أمنية بصورة متواصلة وملحوظة؛ ترك المخاوف قائمة وبالتالي العودة مؤجلة، السبب الثالث وربما هو الأخطر، إذا كان صحيحاً؛ أن الثقافة التي باتت راسخة في صفوف العراقيين هي ثقافة الفرز والقناعة بأن البلد يتجه ليرسو على وضعه الثلاثي القائم؛ وبما يتعذر معه عودته إلى وحدته السابقة المختلطة.
سواء كان لهذه الأسباب أو غيرها، فإن الثابت بأن عملية الرحيل الداخلي ـ الأخطر من الخارجي ـ قائمة. بل متواصلة بوتيرة تدعو إلى الخشية من تحولها إلى موجة يصعب وقفها، ناهيك بردها على أعقابها، فاللجوء تاريخيا ـ وتجارب المنطقة تشهد ـ يصاحبه خلق واقع جديد على الأرض، وغالبا ما تكون إقامته مديدة، وفي العراق بحالته الراهنة لا ينتج فقط التفريغ، بل الفرز،
وهنا المقتل، بالنسبة إلى وحدة العراق ونسيجه الاجتماعي، فالحواجز التي تنتصب في طريق الأمن وتحول دون استتبابه، يمكن إزالتها والتغلب عليها بإجراءات مضادة وفي وقت غير طويل، متى توفرت وسائل وظروفها،
لكن الحواجز النفسية تبقى عصية على التخلص منها ولزمن طويل، وما يجري الآن على صعيد النزوح وحركته الناشطة يزيد من سماكة جدار هذه الأخيرة؛ وبالتالي يؤسس للمزيد من التفكيك في الوضع العراقي، المخلخل بفعل ما أصابه في السنوات الأربع الماضية.
المخاطر الحدودية والأمنية لا يصح التقليل من أهميتها ومضاعفاتها لكن محاذير النزوح واستفحاله لا تقل خطورة، ولابد من استدراك الأمر قبل أن يؤدي إلى نزوح العراق من مكانه على الخارطة التي نعرفها ونريد له الاحتفاظ بمحله.
