يبدو واضحا أن إسرائيل أرادت استباق الزيارة الثامنة التي تقوم بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس للمنطقة في إطار التحضير لمؤتمر السلام الذي تعتزم واشنطن تنظيمه في مدينة انابوليس قبل نهاية العام واستباق المؤتمر نفسه بإعلان وزيرة خارجية إسرائيل ان أمن بلادها أهم من قيام الدولة الفلسطينية وعليه فان هذا الموقف الجديد القديم يمثل اجهاضا لعملية السلام مع الفلسطينيين برمتها واجهاضا لكل المساعي الدولية بما فيها الأميركية وينذر بفشل كبير للمؤتمر حتي قبل انعقاده.

مما لاشك فيه أن الزيارة الحالية لرايس لن تثمر عن أية نتائج إيجابية لصالح عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل ولا لصالح مؤتمر السلام المقترح لأن تصريحات وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبني ليفني ارادت لها الفشل وبالتالي فان تأكيدات رايس بعدم التوصل لوثيقة سلام في القريب العاجل هو اعتراف صريح وواضح بفشل زيارتها ومهمتها في المنطقة برمتها.

فمن غير المقبول ان تصر إسرائيل علي أمنها أولا قبل الدولة الفلسطينية، إن هذا الموقف يعني أن الدولة الفلسطينية لن تقوم وان المحادثات المباشرة مع الفلسطينيين أو غير المباشرة تحت الرعاية الدولية أو الاميركية ماهي إلا تحصيل حاصل تريد بها إسرائيل تسويق نفسها في إطار العلاقات العامة ولذلك علي الوزيرة رايس وهي تقوم بجولتها الثامنة للمنطقة أن تعي هذه الحقيقة بدلا من مسايرة تل أبيب ومحاولة الضغط علي الفلسطينيين رغم أنهم الطرف الأضعف.

فمن الواضح أن إسرائيل لاتريد السلام وأنها تتخذ من زيارات المسؤولين الأميركيين وعلي رأسهم رايس مناسبة لإرسال رسائل واضحة تجدد فيها مواقفها من السلام مع الفلسطينيين كما أن هذه المواقف تؤكد عدم مصداقية الدولة العبرية في حوارها مع السلطة الفلسطينية رغم تعدد وتنوع هذه الحوارات والتي تهدف لخلق ارضية مشتركة تجاه القضايا الخلافية.

ولذلك فمن المستحيل التوصل إلي اتفاق حول أي وثيقة مشتركة بين الجانبين تستخدم كأرضية لمؤتمر السلام المقترح باعتبار أن هناك تباينا واضحا في المواقف ما بين الفلسطينيين والذين نفذوا كل مايليهم من التزامات بخارطة الطريق فيما تصر إسرائيل كلما زارها مسؤول أمريكي علي وضع شروط تعجيزية جديدة تفاجأ بها العالم.

مما لاشك فيه أن إسرائيل قد تنصلت من كل التزاماتها بخريطة الطريق كما تخلت عن التزاماتها في جميع الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين بوضع ضمان أمنها أهم من قيام الدولة الفلسطينية والتي هي نفسها لاتزال في رحم الغيب وتتحجج إسرائيل بوضع عراقيل لقيامها وبالتالي فقد أصبح المجتمع الدولي عاجزا عن الضغط عليها للوفاء بالتزاماتها وأنه من المؤسف أن تسايرها واشنطن في هذه المواقف بدلا من منعها من التعنت ووضع العراقيل أمام السلام.

إن الإدارة الأميركية مطالبة قبل الحديث عن مؤتمر السلام أو وضع الترتيبات الخاصة به أن تحدد جدول اعمال واضح يشمل قضية قيام الدولة الفلسطينية بحدودها المعترف بها إضافة إلي القضايا الجوهرية مثل قضية القدس واللاجئين والتي تسعي إسرائيل بدعم من واشنطن علي ترحيلها لفترات لاحقة وانه بخلاف ذلك فإن هذا المؤتمر سيكون مجرد منتدي سياسي لا يقدم بل يؤخر في القضية ويفقد إدارة بوش مصداقيتها عربيا ودوليا.