من حق المواطن العادي المتابع للحدث اليومي في واقع الإمارات ألا يراهن على دور المثقف الإماراتي في التغيير، خاصة حين يجد هذا المثقف نفسه ينادي ويصرخ ويطالب وكل الذي يترتب على مطالباته هو عكس المطلوب تماماً، ينادي بالحفاظ على الهوية فيجد مزيداً من القرارات تضرب الهوية الوطنية في مقتل.
ويطالب بما تبقى لنا من وجود ضمن التعداد السكاني فيجد ان تأشيرات الدخول للدولة من قبل الأجانب والعمالة ستتجاوز المليون ومائتي تأشيرة بحلول هذا العام 2007، وينادي باحترام العربية لغة تخاطب ومكاتبات في مؤسساتنا ودوائرنا الرسمية والحكومية فيجد السيادة للانجليزية أولاً وأخيراً، ويجدها اللغة الأكثر احتراماً وتفعيلاً واعتماداً كلغة تدريس وثقافة ومكاتبات وهي الشرط الأساسي للحصول على وظيفة!!
من حق القارئ (...) ان يقول لي في رسالته «لن تحل أزمة الهوية الوطنية في الإمارات عبر نداءات المثقفين أو عامة الناس من أفراد المجتمع المتضررين من ضياع الهوية ومن هذا التضخم المتنامي بسبب تزايد الوافدين، الحل ـ كما يعتقد ـ في قصر الوظيفة العامة على غير التجار ومنع المسؤولين من الجمع بين الأعمال الخاصة وأدوارهم كمسؤولين عامين، إذ كيف يتسنى لمسؤول أن يضع الأولوية لقانون يحمي الهوية الوطنية للمجتمع، بينما يتعارض ذلك مع مصالحه الشخصية؟ فمن الذي يبني الأبراج والمراكز التجارية؟ وكيف سيستفيد إذا حافظ على الهوية ولم يخل بالتركيبة السكانية؟
لقد كان حديث أحد كبار التجار مستفزاً لكثيرين ممن قرأوا حواره في إحدى صحفنا المحلية، خاصة حين أكد على أن الإمارات تحتاج المزيد من مراكز التسوق. فلمن تبنى كل هذه المراكز الفخمة والأبراج الشاهقة بينما نحن كمواطنين ـ يقول القارئ ـ قد بدأنا نشتكي من غلاء رغيف الخبر وبالكاد نستطيع دفع مصاريف مدارس أبنائنا؟
لقد لخص هذا التاجر رؤيته حول قانون العرض والطلب وبهذه الرؤية تتحدد المأساة الحقيقية التي نعانيها، حيث لا يرى الرجل ضرورة لتدخل الدولة في الحراك الاقتصادي طالما أنه في صالحه بطبيعة الحال، بينما يقع أبناء وطنه لقمة سائغة في فم الغلاء وفريسة سهلة للذوبان وسط الجموع الهائلة من القادمين يدوسون في طريقهم الفرد ولغته وعاداته وحقوقه وسيادته على/ وفي وطنه!!
إن ترك السوق حراً بلا رقابة، وفتح المجال للقادمين بلا تقنين يعني لأصحاب المصالح المزيد من المستأجرين والمتسوقين وملايين الدراهم في حساباتهم، بينما لن تتحول الهوية الوطنية إلى رصيد متنام ولذلك فهي لا تعني لهم شيئاً، وعليه يسأل قارئنا الكريم أسئلة منطقية ومشروعة فيقول: لم لا ينادي أحد بأن الإمارات تحتاج المزيد من الحدائق والمتنزهات العائلية مثلاً؟
هل الترفيه محصور في مراكز التسوق فقط، فلا نعرف مكاناً آخر نرفه فيه عن أنفسنا سوى هناك؟ لماذا نحاصر حيثما ذهبنا بمنطق التسوق الأمثل، والشراء الأمثل، والتمويل الأمثل، والقروض المثلى، و...، لماذا لا يوجد حديث في اتجاه آخر نستعيد به شيئاً من إنسانيتنا وعلائقنا الاجتماعية وقيمنا وفضائلنا البعيدة عن قوانين السوق والعرض والطلب؟
