حدث دولي بارز مرّ قبل فترة بهدوء رغم إثارته ضجيجا سياسيا ودبلوماسيا، ولا تزال آثاره على الصعيد المحلي للدول المعنية به ماثلة حتى يومنا هذا. المقصود بذلك هو عملية انتخاب الأعضاء غير الدائمين لمجلس الأمن الدولي، أما محور الحدث فتجسد بالشكل الذي بدا فيه الصراع الدبلوماسي على المقعد الوحيد المخصص لأوروبا الوسطى، والذي تنافست عليه كل من تشيكيا وكرواتيا وأدّى في نهاية الأمر لفوز الأخيرة بنتيجة مقنعة.

وكما هو الأمر في مثل هذه الحالات، فقد كان متوقعا أن تصدر مواقف البلدين المتنافسين، الصديقين أصلا، منسجمة مع النتيجة التي حققها كل منهما. فاكتفت تشيكيا «بأخذ النتيجة بعين الاعتبار» متمنية كل النجاح والتوفيق لكرواتيا وفق ما تقتضيه الأصول والأخلاق الدبلوماسية، في حين اعتبرت زغرب أن ما جرى هو بمثابة أكبر نجاح لسياستها الخارجية، واعتراف من العالم بانجازاتها التي تحققت خلال الستة عشر عاما الماضية، والتي هي في واقع الأمر جوهر تجربتها كدولة مستقلة تطمح لأن تكون في عداد الدول الديمقراطية الحقيقية.

وقد يبدو الحدث عاديا للوهلة الأولى، لكن الغوص في حيثياته يقدّم تفسيرات في غاية الأهمية أخذا بعين الاعتبار شبكة الخيوط التي تحكم العلاقات الدولية المختلفة في الوقت الحاضر، والأداء الذي قدّمه كل مرشح على مسرح الأحداث العالمي قبل عملية الانتخاب.

ولعلّ ما أكسبه هذا البعد المثير هو أن المقعد المذكور كان الوحيد الذي شهد تنافسا ضاريا إن صح التعبير، وأدّى لانسحاب تشيكيا بعد أن تأكد لمسئوليها من جولات التصويت بأن الخسارة الحتمية ستكون مربكة ومحرجة في آن. كل هذا جرى بعدما كان الجانب التشيكي يجزم، في ساحته السياسية المحلية على الأقل، إنه الفائز لا محالة، لأنه يملك شبكة واسعة من العلاقات الدولية ولأنه متأكد من انحيازها لصالحه.

فما هو السبب الذي أدّى أصلا لصراع بين دولتين تتشاركان في نفس القيم والأهداف الإقليمية والدولية، وتتقاسمان الهموم على أكثر من صعيد؟ وهل أن خسارة دولة وفوز أخرى يجب أن يشكّل بالضرورة مقياسا لطريقة فهمنا للعلاقات الدولية؟

لقد أخطأت الدبلوماسية التشيكية بلا شك في طريقة تقييمها لشبكة العلاقات الدولية التي كانت متأكدة أنها باتت في جعبتها، كما أخطأت في ممارسة الأداء الإقناعي قبل انطلاق عملية التصويت، والأغرب من ذلك أنها تمادت في ذلك الخطأ حتى بعد الفشل الذي منيت به والذي قسّم الساحة المحلية بين معترف بذلك الفشل ومقلّل من أهميته.

فمن اعترف به دعا للاستفادة ممّا جرى من خلال تغيير الأداء الدبلوماسي الذي يحكم علاقة تشيكيا مع العالم الآخر، حيث أن ذلك الأداء - حسب رأيهم بالطبع- قد أصبح يثقل كاهل البلاد لأنه ذو لون أميركي واضح، وهو ما ساهم بإبعاد دول كثيرة عن دائرة «النفوذ الودي» لتشيكيا.

ما يقصده هؤلاء على الأرجح هو أن تشيكيا بدأت تظهر خلال الأعوام القليلة الماضية كحليف قوي للولايات المتحدة الأميركية ومؤمن بقيمها وتقاليدها الديمقراطية لكن أيضا بخيبة مغامراتها العسكرية حول العالم، في وقت تبدو فيه دبلوماسيتها وكأنها نسيت بيئتها الأوروبية أولا، وعلاقاتها التاريخية والتقليدية ثانيا، لصالح تحالف يوصف بالاستراتيجي لكنه يحمل في طياته بعضا من معالم المخاطرة والمغامرة.

ولعلّ موضوع الدرع الأميركي الواقي من الصواريخ المعادية الذي أصبحت تشيكيا ركنا أساسيا فيه، قد كرّس هذا المفهوم لدى المؤمنين به، وأقنعهم بضرورة ممارسة النشاط الضاغط لصالح الغريمة المنافسة كرواتيا.

ولا نريد من هذا الكلام أن نقلّل من حجم الرصيد الكبير الذي تتمتع به كرواتيا لدى مجموعة الدول التي قررت اختيارها، فهذه الدولة التي ولدت من رحم مآسي يوغوسلافيا السابقة تمكنت من اجتياز طريق شاق مليء بالمصاعب المختلفة، وباتت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلمها الاستراتيجي المتجسد بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ناهيك عن المكانة الاقتصادية التي تحاول تحقيقها تدريجيا من خلال الجهود المقنعة التي تبذلها على أكثر من صعيد.

ولأننا تحدثنا بداية عن الطرف المقتنع بما وصف بالفشل داخل مجلس الأمن، فإنه قد يكون من الموضوعي نقل وجهة نظر الجانب الرسمي الذي قلّل من أهمية ما جرى، لكنه كان فريدا في إصراره على ربط ذلك بمسألة التزامه «بالمبادئ الصلبة التي تعتمد عليها السياسة الخارجية للبلاد»، أي المبادئ التي أكدت براغ بأنها ستستمر بالالتزام بها لمصلحة السلام والاستقرار الدوليين. وهنا تحديدا يكمن الجوهر الذي نحاول أن نشير إليه.

حيث يبدو من هذا التبرير بأن براغ تصر على ربط مسألة تبنّيها لمواقف مبدئية حيال ملفات متعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية وما شابه، بالإضافة لاختيارها سياسة جريئة جدا (أو عدائية كما قد يصفها البعض) حيال دول متّهمة بالاساءة لوضع الحريات مثل روسيا البيضاء وكوبا والصين وغيرها، بالسبب الرئيسي الذي أقنع بعض الدول لعدم انتخاب تشيكيا لاعتقادهم بأنها تتمادى كثيرا في طرح هذه القضايا الحساسة.

وكان من الممكن أن نقتنع بوجهة النظر التشيكية في حال بقيت ضمن هذا الإطار العقلاني، مع احتفاظنا بالطبع بحق معارضتها احتراما منّا للنضال المماثل الذي تخوضه دول أخرى دفاعا عن نفس المبادئ لكن بأساليب قد لا تكون منسجمة بالضرورة مع التوجه الأميركي، لكن بعض المسؤولين في براغ وفي مقدّمتهم رئيس الوزراء ميريك توبولانيك، أبوا إلا أن يضفوا على تفسيراتهم ذلك البعد الجريء والاستفزازي الذي يميّز الأداء الدبلوماسي الحالي، وهو ما فتح الباب لجملة من التكهنات والآراء المتنوعة.

قال توبولانيك تحديدا «بأن التشيك خسروا لأن كرواتيا قدّمت هدايا أكثر، وأنه يجب من الآن فصاعدا إعادة التفكير جديا في مسألة المساعدات التنموية التي تقدمها تشيكيا لبعض الدول النامية». وقد يكون تصريحه بريئا في معناه العميق لكنه بالتأكيد غير موفقا في لغته الدبلوماسية (المتوقعة منه على الأقل).

وهو ما أثار غضب المعارضة المحلية التي فسّرته على طريقتها الخاصة، معتبرة بأن كلاما مثل هذا يضع تشيكيا في مصاف الدول التي تتاجر في مسألة المساعدات، فلا تقدّمها إلا إذا تمكنت من مبادلتها بمكاسب سياسية أو مصالح دبلوماسية محددة، حتى لو كانت تلك الدول بحاجة فعلية وماسة لها.

لقد فازت كرواتيا إذا بالاعتماد على جملة من المعطيات والأسباب لعل أهمها الأداء السياسي والدبلوماسي الجيد الذي أكسبها المصداقية المطلوبة لدى الغالبية العظمى من الدول الناخبة، واعتمادها في نفس الوقت على مواقف مبدئية قد تكون مماثلة لتلك التي تؤمن بها تشيكيا لكن تم تقديمها بطريقة أفضل.

لم تلجأ كرواتيا لذلك الخيال السياسي الذي حكم الأداء التشيكي، فكان تحركها واقعيا، منطلقا من حقيقة الأمور على مسرح الأحداث الدولية وكذلك من منطق التعامل السياسي في المناطق الجيو - سياسية على اختلافها وتنوع مصالحها.

وإذا أردنا أن نكون أكثر واقعيين في تقييم ما جرى فإننا لا نجدا مفرا من الإشارة إلى سلسلة من القضايا التي حكمت الأداء الدبلوماسي التشيكي وكان لها تأثير سلبي حقيقي على علاقاتها في مسرح العلاقات الدولية.

من أبرز تلك القضايا موقف براغ غير الموحد حيال موضوع الاحتباس الحراري الذي يقلق عشرات الدول، وإصرارها في كثير من القضايا الدولية على الانسجام كليا مع الموقف الأميركي بغض النظر عن صوابه أم عدمه، ناهيك عن موقفها الحائر جدا حيال قضايا التكامل الأوروبي لدرجة أن البعض بات يشكك في مدى رغبتها بالالتزام بذلك المشروع الاستراتيجي.

انطلاقا مما سبق، فإن الصراع على مقعد مهم في مجلس الأمن قد شكّل حتما مقياسا لطريقة فهمنا للعلاقات الدولية، والأهم من ذلك بالطبع يبقى في كيفية استفادتنا من تجارب الآخرين.

كاتب لبناني