بدا معرض شهر أكتوبر السياسي حافلاً بلقطات وصور نسائية، فاحتلت ابرز المواقع، وان كانت مثيرة لغضب العقليات المحافظة والمتشددة، فكيف تصعد النساء على خشبة المسرح السياسي الممنوع أصلا اعتلاؤه من النساء، فهن مخلوقات كان الأجدر بهن التفريخ والطباخة، هذا إذا كن جديرات بذلك أيضا، فمنطق وقانون التطور قابل على التبدل نحو حركة الخلف وليس الأمام دائما!!.
كان المعرض الذي دخلته من صناعة عقل فانتازي في عصر أكثر اتساعا للمخيلة والتحليق نحو «عصر النساء» الذي كتب عنه فرانسيس فوكوياما قبل سنوات متنبأ بمكانة اكبر لدور المرأة في الألفية الثالثة، وان كان مفرطا وصعبا بعض الشيء في عالمنا العربي، الأبطأ والأكثر تخلفا في رؤيته لحقيقة ومكانة ودور المرأة.
ولكن القياسات والحسابات العالمية تعبر عن حقيقة ما قاله فوكوياما عن عصر النساء، ويا له من عصر مثير بالأسئلة، من أهمها ماذا سيفعل الأزواج المتشددون والمتزمتون بل وحتى «المتربليين العرب» عندما يجدون الزوجات مشغولات عن الشؤون البيتية، وهن يصرخن بقوة «لا وقت لدي خذ الأولاد أنت للمجمع التجاري.
لا وقت عندي الأوراق مكدسة في المكتب لا بد وان أتأخر قليلا عن العودة للبيت، الرجاء ساعد الخادمة على إعداد العشاء للصغار، وتبدأ قائمة المطالب تزداد، غير أن استبداد الرجل الشرقي «الليبرالي» وطبائعه أن يكظم غضبه مؤقتا قبل ساعات الانفجار، وكأنما المرأة بصورة غير واعية تنتقم لتاريخ طويل من الهيمنة الذكورية والإذلال المنزلي، في زمن لم تكن فيه الثروة موجودة ووسائل الحداثة والترفيه قائمة، ولا الشغالات يملأن خزانة البيت الكبير!.
للحياة دورتها وعلينا الاستعداد بكل فخر لنرى السيدة الأولى في البيت تصبح سيدة أولى في المجتمع، وتدير بحنكتها السياسية شعوباً ودولاً، تدير سياسة التسلح والحروب ومعارض افتتاح سوق السلاح، بدلا من معارض الزهور والذهب ومعارض العطور والأزياء الموسمية التقليدية.
علينا تقبل حقائق التاريخ عن أن عقل هذه الأنثى ممتلئ بدسائس السياسة والشؤون الإنسانية، وبخبرة فن الإشاعات الحربية، مثلما كانت تجيد فن إشعال حريق البيوت في الحي، عندما تفجر خبرا مثيرا للفتن بين السيدة فطوم والآنسة بهية، فبين الجيلين مساحة من العداء أساسها وجذورها، حداثة التعليم والموضة عند بهية في مواجهة بؤس الأمية والملابس الشعبية المهركلة عند فطوم.
اليوم تحوم السيدة هيلاري كلينتون بقوة في حملتها الانتخابية، لعلها تستعيد مجدها في البيت الأبيض في انتخابات ليست محسومة، كما هي انتخابات بونيس ايرس، لهذا بات على هيلاري أن تتشبه بكريستينا وليس العكس، فقد دخلت القصر الرئاسي السيدة الأرجنتينية في سباق الماراثون وهي تعد فقراء الأرجنتين بالخبز والسعادة والتغيير، بينما تحاول هيلاري السباحة بقوة في عواصف وأعاصير كاترينا القاتلة.
وإذا ما حلمت كريستينا أن تحقق مجدا في حب الفقراء كما فعلت افيتا بيرون القادمة من علب الليل، فان بنازير بوتو ابنة العائلة السياسية من عقود، كانت أكثر من شجاعة، عندما غامرت بالعودة في ظروف غامضة امنيا، دون أن تخشى الاغتيال.
وكان القدر والحظ العاثر يتربصان بها، لولا حماية الله لها والأمن الباكستاني، لأصبحت بنازير بوتو انديرا غاندي الباكستانية، إذ مطلوب من العائلات السياسية في القارة الآسيوية، إتمام مسيرتهم السياسية عائليا بشعار «إما الموت أو السلطة»!.
كما كان شهر أكتوبر يزدان بصورة «سوكي» في ميانمار المسجونة في أقفاص الدكتاتورية، وهي تتقلد سيف المجد في بيتها ـ السجن، فهي تقضي إقامة جبرية دون خوف، وعلى السلطة العسكرية، أن توقف عناد ابنة الجنرال القديم عن حلمها في مقعد السلطة، والتنازل نهائيا عن فكرة المقاومة. وفي الوقت الذي كن النساء، يحلمن بمقعد السلطة وقصور الضيافة، كانت سيسليا ساركوزي.
تركض وراء أحلامها الأنثوية وعاطفتها المتقدة، تاركة خلفها قصر الاليزيه، فذلك لا يهم ابنة اسبانيا، كل مظاهر البروتوكول والأناقة الدبلوماسية، وحسب قولها تكره الحياة الرسمية المملة، فهي تحب أن ترتدي بنطلون الجينز والصندل.
لهذا لم تعد سيسليا تهتم ببذخ السلطة ولا شكليات البيت السياسي، أنها الحرية، التي تبحث عنها المرأة أحيانا، فهي تدفئ قلبها بالشعر والرقص ومعارض الزهور، بدلا من وجع السياسة والصفقات الخبيثة والمناورات القائمة، على لعبة كريهة اسمها التقنع على مسرح السياسة، إنها تكره البورتريه المزيف.
كما تكره أن تبتسم كموناليزا الغبية، لعدسات المصورين ورجال الصحافة والإعلام الحالمين، بمقابلة قصيرة مع السيدة الأولى، والباحثين من وراء تلك العدسة عن حكايات المغامرة أكثر من حكايات السياسة وتوتراتها، فالغرابة في تلك المفارقة هو مدحنا للمرأة عندما تكون بذهنية الرجل وصلابته.
بينما نفتش عن أنثوية المرأة وهي تمارس السياسة خلف كواليس المغامرة العاطفية، فتستهوينا قصص الغرام والليل والقبلات، بدلا من وجع الزيارات الرسمية للسيدة الأولى لمرضى الجذام وسرطان الدم، ولمعسكرات الجيش في بلد كالعراق وأفغانستان يضج بالموت والدم.
ألم يكن حقا معرض الصور النسائي في شهر أكتوبر حافلا بالعجائب، كان بدايته موت محقق لبنازير بوتو ونهايته نجاح «للدويتو كويشنر» وهما يتقاسمان الأدوار والخلافة ! في بلد لاتيني يكرر التاريخ الهندي في توارث السلطة، كما هي عائلة غاندي وبنازير بوتو وسوكي.
وربما يتكرر التاريخ في البيت الأبيض في العام القادم، فتحضن معها هيلاري زوجها وتحمله إلى هناك، مثلما حملها معه ذات يوم للغرف الدافئة ذاتها، غير أن «الزوج المتآمر» عاطفيا، لم يقاوم غواية نساء كثيرات مررن تحت ملفاته ومكتبه. يبقى في النهاية «التوارث السياسي» مسألة ديمقراطية، فلا أحد يجبر احداً بالتصويت ضد خيبته! أليست الديمقراطية والبرلمانية لعبتان علينا إجادة فنهما طالما أن السياسة فن الممكن؟!
كاتب بحريني