مواطن عراقي يتسلل إلى خارج البلاد ليستقر به المقام في مخيم لاجئين في ألمانيا، كان ذلك في عهد صدام حسين قبل أربع سنوات من حملة الغزو الأميركي على العراق. في سياق الاستجواب يروي «رافد أحمد علوان» للسلطات الأمنية الألمانية أنه مهندس كيميائي وأنه كان حتى مغادرته بلاده يعمل في موقع لصنع أسلحة جرثومية، ويقدم توصيفاً للموقع «السري».
ويضيف أن 12 موظفاً قتلوا بمواد جرثومية خلال حادث داخل الموقع، وترفع الرواية إلى سلطات ألمانية عليا وتبعث الاستخبارات الألمانية بالرواية إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لتشكل لاحقاً أحد مرتكزات قرار إدارة بوش بشن حملة الغزو في مارس 2003.
بعد اتخاذ قرار الغزو وقبل تنفيذه بأسبوعين ترفع إدارة الاستخبارات الأميركية رواية المواطن العراقي إلى وزير الخارجية كولين باول فيضم باول محتواها إلى خطابه الذي ألقاه على مسامع مجلس الأمن الدولي لتبرير الغزو، وأمام منبر العالم يعلن الوزير الأميركي قائلاً:
«ليس هناك أدنى شك في أن صدام حسين يملك أسلحة جرثومية وأن له القدرة على إنتاج المزيد منها سريعاً»، ورغم تحفظ مجلس الأمن على المعلومات التي طرحت على أعضائه يجري تنفيذ الغزو على شكل إبادة تفتك بمرور الزمن بأرواح مئات الألوف من العراقيين ويحكم بالإعدام على صدام، وينفذ الحكم، ولكن عبثاً تبحث قوات الاحتلال الأميركي عن أسلحة جرثومية ونووية وكيميائية في أراضي العراق لم تكن أصلاً موجودة.
وهكذا يثبت أن كل الروايات المعلوماتية بشأن أسلحة دمار شامل في العراق كاذبة وملفقة مئة في المئة، بما في ذلك رواية المواطن العراقي علوان، أكثر من ذلك يتضح الآن أنه لم يكن خبيراً كيميائياً كما ادعى، رغم أنه تلقى دراسات في الكيمياء، وأنه لم يكن يعمل في مصنع كيمائي بل كان يعمل لدى شركة للإنتاج التلفزيوني، وأنه طرد من هذه الشركة بتهمة سرقة.
علوان قام بتلفيق روايته بدافع تسريع إجراءات حصوله على لجوء سياسي في ألمانيا.. فقط لا غير، وتبرز أسئلة عدة: لماذا لم تستقص السلطات الأمنية الألمانية ما أدلى به المواطن العراقي من معلومات لمعرفة مدى صحتها؟لماذا لم تبذل الاستخبارات الأميركية من ناحيتها جهوداً للاستوثاق من الرواية وتفاصيلها قبل أن تبعث بها إلى وزير الخارجية باول وكأنها معلومة موثوق بها تماماً؟
لماذا لم يأمر الوزير باول من ناحيته بأن تقدم إليه أدلة قاطعة تثبت صحة الرواية دون أي لبس قبل أن يكذب هو بدوره على ممثلي العالم في الأمم المتحدة؟الإجابة باتت الآن معلومة للقاصي والداني، ذلك أن الإدارة الأميركية اتخذت أولاً قرار الغزو ثم شرعت بعد ذلك ـ وليس قبله ـ في اختلاق المبررات، وبما أنه لم تكن توجد مبررات أصلاً، فإن اللجوء إلى التلفيق كان حتمياً، ومن هنا كان ترحيب السلطات الأميركية برواية المواطن علوان.
أما السلطات الألمانية فإنها كانت تدرك سلفاً حاجة الاستخبارات الأميركية إلى طبخ مبررات ملفقة، وإلا: لماذا لم يقدم المسؤولون الأمنيون في كل من ألمانيا والولايات المتحدة إلى محاكمة؟ ولماذا لم تجر محاسبة ـ أو حتى مجرد مساءلة ـ للوزير كولين باول، ومن ثم لأركان الإدارة الأميركية الذين شاركوا في تبرير قرار الغزو.
أما التساؤل الأكبر فهو: لماذا لا يحاكم المواطن العراقي علوان الذي يعيش الآن في ألمانيا تحت مظلة اللجوء السياسي؟ فعوضاً عن محاكمته تلقى مكافأة.