جرياً على العادة والمألوف، تلجأ إسرائيل، عشية مؤتمر «السلام» إلى التعجيز ووضع العصي في الدواليب، دأبت على هذا السلاح، في كافة المؤتمرات السابقة. كما في مطالبتها بتنفيذ التزاماتها؛ في كافة الاتفاقيات المعقودة معها، منذ أوسلو، مارست التهرب والتملص باستمرار؛
وكان لها ما أرادت؛ لأنه ليس هناك من رقيب أو حسيب على سلوكها المتمرد هذا، نكثت بوعودها وتوقيعها لتواصل هروبها من السلام وشروطه؛ كما للمضي في مخططاتها التوسعية والعسكرية. واليوم تتكرر المسرحية نفسها.
الوزيرة رايس وصلت إلى القدس، في زيارتها الثامنة إلى المنطقة هذه السنة، لوضع اللمسات الأخيرة على التحضيرات للمؤتمر العتيد، إسرائيل وبشخص وزيرة الخارجية ليفني، حرصت ـ عملاً بالتقليد ـ على أن تكون هذه اللمسات إسرائيلية مئة بالمئة، والزائرة الأميركية تبلغت ذلك ورسمت مهمتها المكوكية على إيقاع هذا التبليغ؛ بدلاً من أن يكون العكس هو المعمول به، هذا إذا كانت إدارة الرئيس بوش تريد فعلاً طحيناً وليس فرقعة فقط.
مع وصول رايس وأمامها سارعت نظيرتها الإسرائيلية إلى رمي شباك شروطها، الكفيلة باصطياد «السلام» وخنقه قبل أن يبصر النور، ليفني، المقرر أن ترأس الوفد الإسرائيلي للمؤتمر، كشفت عن قائمة المطالب، التعجيزات الإسرائيلية؛ التي على رأسها مطلب «أمن إسرائيل» الذي يتقدم على الدولة الفلسطينية وعلى السلام.
وكأن هذا الأمن وليس أمن الفلسطينيين، في خطر! وفي ذات اليوم تحصد سياسة الاغتيالات والقصف الإسرائيلية 5 شهداء من بينهم 3 عمال. الشرط الثاني، ان وقف الاستيطان مرهون بالتخلي الفلسطيني عن العمل المسلح وبما أسمته «بتبادل تدابير الثقة»! وحتى لو تحقق ذلك، تقول، على الجانب الفلسطيني أن يفهم بأن تطبيق أي اتفاقات في المستقبل «لن يتم إلا بموجب مراحل خريطة الطريق»!
استحضرت الوزيرة هذه الخريطة من قبرها لأخذ بند «المراحل منها فقط وإلحاقه بمؤتمر أنابوليس ـ عندما ينعقد ـ وهو تعبير مفتوح على زمن من دون حدود، مع التذكير بأن المؤتمر «ليس سوى بداية»؛ من دون أية إشارة إلى النهاية. ترجمة ذلك أن جدولة المفاوضات ـ إذا حصلت ـ أمر غير وارد. الوزيرة رايس تحدثت بما يفيد بأنها أخذت علماً بالمقاربة الإسرائيلية للمؤتمر ـ أم أنها تلطت وراءها؟، واعترفت بأن العملية «صعبة».
كما أنها لا تتوقع أن يتوصل الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني إلى توافق حول وثيقة تكون الأساس للمؤتمر، لا جديد في ذلك، الصعوبة معروفة أسبابها، وبدلاً من وضع الإصبع على الجرح، قالت الوزيرة إنها سترى ما إذا كان بإمكانها «القيام بشيء لمساعدتهما في إحراز تقدم»! وفي هذا الخصوص قدمت ورقة احتوت على «أفكار توفيقية»)!
(علها تساعد على التقارب، حسب ما تردد، لم تأت رايس على سيرة التسوية النهائية في ورقتها ولا على ذكر جدول زمني للتفاوض، وفي ذات الوقت تشدد، في تصريح لاحق لها، على أهمية تنفيذ حل الدولتين الآن. ولم تستبعد تمديد زيارتها وجولاتها المكوكية إذا اقتضى الأمر.
السوابق وواقع الحال يقولان إن المشكلة لن تلقى حلها بإطالة فترة زيارتها، طالما بقي دورها محكوماً بهذه المقاربة، دور الوساطة الأميركية لا يؤدي إلى نتيجة حتى ولو لم يكن منحازاً ومزيفاً. فكيف إذا كان كل همه تسويق التعجيزات الإسرائيلية؟ فإما أن يكون الدور ضاغطاً على إسرائيل وإما أن تكون العملية طحن ماء.
