عقلاء المنطقة يعرفون أن التدخل الخارجي في الأزمة اللبنانية واحد من الأسباب الرئيسة وراء تفاقمها، وهؤلاء بالذات هم من طالبوا في العديد من المناسبات الدولية والإقليمية الأطراف المؤثرة في تفاعلات الحياة السياسية اللبنانية بترك الفرصة للبنانين كي يتوافقوا على الحل الذي يحفظ لبلدهم وحدته واستقراره.

وفي أغلب الأحوال، كانت سوريا وإيران هما المقصودتان بهذا المطلب، خصوصا وأنهما متهمتان من قبل قوى الأكثرية في بيروت، بالعمل على جعل لبنان ورقة في صراع إقليمي تمتد ساحته من طهران إلى فلسطين مرورا بالعراق.

و على ما أظهرت تطورات الأيام الماضية، فإن تدخل البلدين قد تراجع بدرجة سمحت بفتح آفاق تسوية، بدت مقدماتها في اللقاء الهام الذي جمع زعيم تيار المستقبل سعد الحريري، برئيس تكتل الإصلاح والتغيير المتحالف مع حزب الله العماد ميشيل عون في باريس، ثم في التصريحات الإيجابية التي صدرت عن الجانبين، وكذلك ردود الفعل المرحبة من قبل فريقي الصراع.

غير أن الولايات المتحدة، رأت في هذا اللقاء - المقدمة، ما لم يره اللبنانيون أنفسهم، فسارعت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس إلى إعلان رفضها لأي اتفاق قد يتوصل إليه الطرفان، معتبرة أن مثل هذه الخطوة ستتضمن تنازلا من الأغلبية لصالح قوى المعارضة، على حساب الدستور اللبناني.

أكثر من ذلك رأت الوزيرة الأميركية أن الرئيس اللبناني الجديد لابد أن يكون مرتبطاً بمبادئ قوى 14 مارس، واضعة بذلك "فيتو" أميركياً على محاولات جرت خلال الأسابيع الماضية لاختيار رئيس توافقي تقبل به الأكثرية والمعارضة، أملا في الانتقال إلى مشاورات إضافية لحسم باقي الملفات الخلافية، ومن ثم إعادة الحياة إلى بلد تؤثر فيه السياسة على مختلف مناحي الحياة.

وواقع الحال أن تصريحات رايس، تثير لدى المتابع للأزمة اللبنانية مخاوف كثيرة حول حقيقة الأهداف الأميركية في المنطقة، خصوصا مع اقتراب موعد المؤتمر الدولي للسلام المقرر في أنابولس.

كما أنها تثير تساؤلات عدة أبرزها: هل تريد واشنطن فعلا للمصالحة أن تنجح في لبنان، أم إنها تفضل استمرار الأزمة بغرض توظيفها في ملفات أخرى ستشهد خلال الفترة المقبلة مزيداً من الحضور كقضية اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وأزمة البرنامج النووي الإيراني؟.

والأخطر من ذلك كله أن تصريحات الوزيرة الأمريكية ستزيد من أزمة الثقة الموجودة أصلا بين القوى اللبنانية، وقد تدفع بعضها للتراجع عن انفتاحه الأخير، لا رفضا للمصالحة في ذاتها، وإنما للتدخل الأميركي في شؤون لبنان.