حين يطرح موضوع الهوية الوطنية في الإمارات فإنه لا يثير جدلاً بين الإماراتيين على اختلاف أطيافهم وأعمارهم فقط، بل انه يدفع حتى غير الإماراتيين من عرب وأجانب للدخول كطرف في الحوار، خاصة هؤلاء الذين يعيشون بيننا بصفة مؤقتة، أو أولئك الذين اختاروا الاستقرار في الإمارات لسبب أو لآخر.
وهؤلاء أو بعضهم على الأقل يتمتع بمستوى عالٍ من التعليم، وهو قد جاء من تجربة حياة في مجتمع محكوم بأطر وقوانين وثوابت محددة، هؤلاء تدفعهم التجربة والفهم والثقافة ومجموعة المعارف التي يمتلكونها والاهتمام وقد يكون الحرص والمحبة أيضاً دافعين نحو إبداء الرأي في موضوع الهوية الوطنية المطروح حالياً وبقوة في أوساط المثقفين.
أحد هؤلاء ويدعى (تيسير) أميركي من أصل عربي قرأ مقال الأمس وبعث برسالة تؤيد مضمونها وما جاء فيها، مؤكداً حبه للإمارات ورغبته في العيش فيها، لكنه يعتقد أن الهوية الثقافية هي المشكلة الرئيسية التي تواجه أهل البلد، مبدياً ملاحظة دقيقة.
يقول: إن الأجانب المقيمين والزائرين لا يمرون عليها مرور الكرام وهي أنك حين زيارتك لأي بلد فإنك ترى وتسمع وتلاحظ ثقافة ذلك البلد فقط، وفي كل مكان تذهب إليه، وهنا فإن القارئ يذكر في رسالته مثالاً محدداً حول اللغة والموسيقى باعتبارهما مكونين ثقافيين مهمين من مكونات الثقافة الوطنية العامة لأي مجتمع.
يذكر القارئ أنه عند زيارة بلد كالولايات المتحدة أو بريطانيا أو ألمانيا مثلاً، وعند تجوالك في المراكز التجارية، فإنك لن تسمع سوى الموسيقى الغربية، ولن تقرأ على اللوحات التعريفية سوى اللغة الإنجليزية أو الألمانية مثلاً، أما هنا في الإمارات العربية، فإنك لا تسمع أي موسيقى عربية أو محلية، ولا تقرأ اللوحات إلا باللغة الإنجليزية.
وهنا يبدو السؤال مشروعاً وطبيعياً: لماذا؟ فإذا كان السبب لوجود الأجانب، فهناك أبناء البلد وهناك الوافدون العرب والمقيمون العرب، وهناك نص صريح في الدستور بأن العربية هي لغة الاتحاد الرسمية، وهناك دلالة واضحة في اسم الدولة، فالدولة اسمها دولة الإمارات العربية وليست دولة الإمارات الإنجليزية.
لقد زار الإمارات وفد من رجال الأعمال الأميركان للمرة الأولى، وقد عرفهم القارئ الكريم كما ذكر في رسالته على أوجه من الطعام العربي والموسيقى العربية، وقد أعجبوا بهما كثيراً، حتى إذا ما حانت زيارتهم الثانية طلبوا إليه أن يحجز لهم مطاعم عربية، وحين غادروا كانوا قد اشتروا اسطوانات موسيقى وأغانٍ عربية.
لقد ذكر القارئ هذه التجربة ليدلل على مدى حاجتنا إلى تكريس تفاصيل ومكونات ثقافتنا الوطنية في كل مكان، لتعرفها أجيال البلد أولاً، وليتعرف كل زائر لهذا البلد العظيم بأهله وتجربته على هويته الحقيقية لا على هويات الآخرين المنبثة في كل تفاصيل المكان في خليط عجيب ومشوه، لا يخدم التطور ولا يؤشر للتطور ولا يدلل عليه، بقدر ما يشير إلى موزاييك ديمغرافي متنافر يكون لوحة ليس فيها من السمات الجمالية ما يؤهلها للإعجاب أو إثارة الدهشة!
حالة الهوية الوطنية الإماراتية حالة خطيرة، ومرعبة، والتحديات التي تواجهها ليست سهلة وهي من الداخل كما من الخارج وربما بنفس درجة التجاذبات الهائلة، ولعلاجها فنحن بحاجة إلى إدراك شعوري جمعي بالخطر، وبحاجة إلى إرادة مجتمعية بحتمية المواجهة العاجلة، وبحاجة لقرارات سياسية فاعلة ولأجهزة تنفيذ حريصة ومؤمنة بالفكرة والهدف.. ما عدا ذلك فنحن ذاهبون للمجهول.
