منذ أن كتب وزير الخارجية البريطاني الأسبق آرثر بلفور، قبل تسعين عاما تلك الرسالة المشؤومة والتي تعتبر أشهر وأغرب وأوقح وثيقة سياسية عرفها تاريخ الإنسان على مر العصور، والشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني تدفع ثمن حروب غيرها من الشعوب وتتجرع حالة باتت مزمنة من الهوان والخذلان لكثرة النكبات والنكسات والخيانات والمتاجرات التي طالت كل شيء ولم تبق على شيء بدءا بالأوطان حتى الأكفان مرورا بلقمة عيش الإنسان.

لا يخفى على كثيرين أن المشروع الصهيوني في فلسطين وإقامة الدولة العبرية القائمة على العنصرية هناك ما كان له أن يرى النور لو لم تتوفر بيئة مناسبة وداعمة له في محيطه العربي والإقليمي بعد أن توفرت له تلك الحاضنة الدولية ممثلة بتوجهات القوى الدولية المسيطرة آنذاك في مشهد يمكن وصفه بالمنزل الذي لا يمكن أن تقوم له قائمة من دون مرافق وملحقات مهمتها التخديم عليه ومده بالوسائل اللازمة التي تجعله جديرا بساكنيه.

ما كان للدولة العبرية أن ترى النور وأن تبقى على قيد الحياة كل هذه السنين الطوية لو لم تكن مجرد جزء من ذلك البناء الاستعماري الذي أسست له تلك الوثيقة البريطانية التاريخية، فلقد تزامنت عملية زرع هذا الكيان السرطاني الغريب عن المنطقة مع تشكيل ما بات يعرف لاحقا بالنظام الرسمي العربي، الذي يبدو أنه ليس جديرا حتى بهذه التسمية على علاتها ، ذلك أن هذه توحي بأشياء كثيرة هي غريبة عنه أصلا مثل القدرة على التنظيم أو التمتع بالاستقلالية أو امتلاك ناصية اتخاذ القرار، إلى ما هنالك من أوهام استفحل أمر المبالغة فيها إلى أن بات الوهم سمة هذا الليل العربي المديد.

المشكلة أن التعامل مع قضايا المنطقة يقود المراقب لأحداثها دائما وأبدأ إلى المربعات الأولى لكل ما يجري على أرضها وفي سمائها ومياهها وحتى في باطن أرضها، في مشهد يشي بأن شيئا لم يتغير منذ أن وطأت قدم أول مستعبر غربي أرض الأنبياء هذه.

أي أنه لا يمكن في حالة القضية الفلسطينية اعتبار هذا النقاش أو ذاك جديا من دون اعتماد تشخيص علمي لكيفية نشوئها وبقائها على قيد الحياة بعد مضي ما يناهز الستين عاما على نشوء الدولة العبرية في فلسطين والتي قامت على مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» الشهيرة والتي كانت بمثابة حجر الزاوية في رسالة بلفور إلى يهود أوروبا على وجه التحديد وليس يهود العالم ، لأن القارة العجوز كانت عاجزة عن حل مشكلة ما كان يسمى حينها بالقضية اليهودية، التي لا يمكن اعتبارها أكثر من قضية أوروبية صرفة في أحسن الأحوال.

أي أنها غريبة بكل المعايير عن بلاد العرب وبالتالي فإن أي محاولة لحلها خارج هذا إطارها الحقيقي هذا ستبوء إلى فشل ذريع مهما طال الزمن. تشخيص هذه الحالة لا يحتاج إلى متخصصين عباقرة أو إلى كل هذه المشاريع والجهود والمفاوضات والمبادرات والمؤتمرات والصفقات إلى ما هنالك من شتى الجهود التي يحاول البعض إيهام شعوب المنطقة بأنها جدية وحثيثة وصادقة وتبتغي حل هذه القضية الشائكة، تشخيص هذه الحالة واضح المعالم وموثق بطريقة مثلى لا يرقى الشك إليها ولا تستدعي أي بذل أدنى جهد باتجاه تحليل لا تستحق عناءه، فالحقائق هي حقائق ولا يمكن لي عنقها إلى الأبد مهما استمر الخلل في ميزان القوى في المنطقة والعالم ومهما صب في صالح ذلك الكيان المصطنع والدخيل.

القصة بدأت بالوعد المشؤوم الذي تصرف من أطلقه بشيء لا يملكه وليس من حقه وأعطاه لمن لا يملكه ولا حق له فيه قطعا، وتعززت باتفاقية «سايكس بيكو» المشؤومة أيضا، التي تقاسمت من خلالها قوى الغرب الاستعمارية الكعكة العربية وجعلت من أرض فلسطين لقمة سائغة في فم الحركة الصهيونية العالمية وتوجت بقرار تقسيم فلسطين الصادر عام 1947 عن الأمم المتحدة، التي نشأت بدورها أصلا تعبيرا عن ميزان القوى الدولي الذي كان قائما آنذاك ولا يزال والذي تخلله ونشأ عنه كل ما هو مرتبط بقيام الدولة العبرية واستمرارها في حيز الوجود مقابل تعريض الشعب الفلسطيني لأكبر مظلمة في التاريخ الإنساني لا تحاكيها إلى المظلمة التي ارتكبها الغرب بحق شعوب أميركا الأصليين.

بينما لا يراد لهذا التشخيص الواقعي أن يشكل جزءا من مفردات «النظام السياسي العربي» مجتمعا والنظام السياسي في كل قطر عربي على حدا، يتراءى في الجانب المقابل من المشهد واقعا مختلفا تماما يتعامل مع هذا التشخيص بكل جدية ولا يعتمد غيره ساعة إقرار العلاجات اللازمة وتوفير كافة الإمكانات الضرورية لبقاء الدولة العبرية على قيد الحياة بعيدا عن أوهام التسويات الفارغة والخطابات الرنانة ، مع إدراك جلي لضرورة حقن العقل العربي بمزيد من جرعات الوهم حول إمكانية التوصل إلى حل سلمي للصراع العربي- الصهيوني.

bassil@albayan.ae